علم الاتحاد الأوروبي (رويترز)
الأربعاء 2 سبتمبر 2026 / 19:13
تواجه أسواق السندات الأوروبية موجة جديدة من الاضطرابات مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية، في وقت تتزايد فيه مخاوف المستثمرين بشأن التضخم والنمو الاقتصادي والقدرة المحدودة للحكومات على ضبط الإنفاق.
وبحسب تحليل نشرته مجلة "ذي إيكونوميست" في الأول من سبتمبر، بدأت موجة ارتفاع العوائد هذا العام مبكراً، ولم تقتصر على ألمانيا، إذ شهدت أسواق السندات العالمية عمليات بيع واسعة خلال الأسابيع الأخيرة، دفعت العوائد إلى الارتفاع مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم وعدم اليقين بشأن النمو الاقتصادي.
وتعد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات المؤشر المرجعي الرئيسي في منطقة اليورو، وتواجه عادة ارتفاعاً موسمياً في العوائد بعد شهر أغسطس. إلا أن الضغوط هذا العام تأتي في ظل ظروف اقتصادية وجيوسياسية أكثر تعقيداً.
ورغم أن عوائد السندات الأوروبية طويلة الأجل لا تزال أقل من مستويات الذروة التي سجلتها خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، فإن حكومات القارة تواجه مجموعة من التحديات التي قد تبقي تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول.
التضخم والطاقة
يمثل التضخم أحد أبرز مصادر القلق في أوروبا. وعلى خلاف الولايات المتحدة، إذ يرتبط ارتفاع الأسعار بدرجة كبيرة بقوة الطلب المحلي؛ يعود جزء مهم من الضغوط التضخمية في أوروبا إلى جانب العرض، ولا سيما صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران.
وتتوقع الأسواق أن يرفع البنك المركزي الأوروبي "ECB" سعر الفائدة الرئيسي إلى نحو 2.9% بحلول منتصف 2027، مقارنة مع توقعات سابقة عند 2% قبل الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط).
وتؤدي مخاطر التضخم المرتفعة إلى مطالبة المستثمرين بعوائد أكبر على السندات طويلة الأجل لتعويضهم عن حالة عدم اليقين. كما أن صدمات جانب العرض قد تؤدي إلى انخفاض أسعار السندات والأسهم في الوقت نفسه، ما يقلل من جاذبية السندات كأداة لتنويع المحافظ الاستثمارية.
عبء الديون يزداد
ويتمثل التحدي الثاني في الوضع المالي للحكومات الأوروبية. إذ أدى توجه ألمانيا الجديد نحو تمويل الاستثمارات بالديون، إلى جانب استمرار الإنفاق المرتفع في فرنسا، إلى دفع أسعار الفائدة نحو الارتفاع منذ 2025.
الأسهم الأوروبية تتراجع بفعل ارتفاع النفط وعوائد السندات - موقع 24تراجعت الأسهم الأوروبية، الاثنين، بعدما دفعت الهجمات العسكرية المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط وعوائد السندات إلى الارتفاع، لكن المؤشر الأوروبي القياسي "ستوكس 600" سجل خامس مكسب شهري له على التوالي.
ومع ارتفاع تكاليف الاقتراض، تتزايد أعباء خدمة الدين. وتشير تقديرات وكالة "فيتش" إلى أن فرنسا ستنفق عام 2028 نحو 6% من إيرادات الحكومة على مدفوعات فوائد الدين، مقارنة مع 3% في 2019.
وفي إيطاليا، من المتوقع ارتفاع النسبة من 7% إلى نحو 8.8% خلال الفترة نفسها.
وتواجه الحكومات الأوروبية صعوبة في سد الفجوات المالية من خلال زيادة الضرائب، نظراً إلى ارتفاع نسبة الضرائب بالفعل مقارنة بالولايات المتحدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أن خفض الإنفاق يظل خياراً سياسياً صعباً، خصوصاً مع صعود الأحزاب الشعبوية في عدد من دول القارة.
استثمارات الذكاء الاصطناعي تضغط على أوروبا
ولا ترتبط زيادة عوائد السندات الأوروبية بالتضخم والإنفاق الحكومي فقط، إذ يسهم تدفق رؤوس الأموال نحو الاستثمارات خارج أوروبا في زيادة المنافسة على أموال المستثمرين.
وتشهد الولايات المتحدة طفرة كبيرة في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع أن تنفق شركات التكنولوجيا العملاقة أكثر من 5 تريليونات دولار على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بين عامي 2025 و2030.
وتبدو الاستثمارات الأوروبية في هذا المجال محدودة مقارنة بالولايات المتحدة، ما يعكس ضعفاً نسبياً في الاستثمار داخل الشركات الأوروبية.
لكن شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى تؤثر أيضاً بصورة مباشرة في سوق السندات الأوروبية، بعدما لجأت إلى إصدار سندات طويلة الأجل لتمويل توسعها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتقدر "غولدمان ساكس" أن تصل إصدارات هذه الشركات إلى نحو 250 مليار دولار خلال 2026، وترتفع إلى 400 مليار دولار في 2027.
وتنافس هذه الشركات الحكومات على أموال المستثمرين، خصوصاً أن بعض شركات التكنولوجيا الكبرى تتمتع بجدارة ائتمانية مرتفعة تجعل سنداتها منافساً قوياً للسندات الحكومية.
كما تمثل الشركات الأمريكية قرابة عُشر إصدارات سندات الشركات المقومة باليورو خلال العام الحالي، وفقاً للبنك المركزي الأوروبي.
وتؤدي زيادة إصدار الديون عالمياً إلى ارتفاع المعروض من السندات طويلة الأجل، ما يزيد ما يعرف بمخاطر المدة، وهي حساسية أسعار السندات للتغيرات في أسعار الفائدة.
وفي أوروبا، يزداد المعروض من السندات أيضاً مع استمرار البنك المركزي الأوروبي في تقليص حيازاته من السندات، إذ خفض حيازاته بنحو 1.2 تريليون يورو منذ 2022.
وفي الوقت نفسه، بدأ الطلب من كبار المستثمرين على السندات الحكومية طويلة الأجل في التراجع، وتتحول صناديق التقاعد التي كانت تعتمد على السندات لتمويل خطط التقاعد ذات المنافع المحددة نحو خطط مساهمات محددة تعتمد بدرجة أكبر على الأصول ذات المخاطر الأعلى، مثل الأسهم.
ومع دخول مستثمرين آخرين، مثل صناديق التحوط، إلى سوق السندات الحكومية، بات هؤلاء المستثمرون يطالبون بعوائد أعلى مقابل شراء الديون.
ويرى محللون أن هذه التطورات تشير إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة تختلف عن البيئة التي اعتادت فيها الأسواق على انخفاض أسعار الفائدة وارتفاع الطلب على السندات.
وبالنسبة للحكومات الأوروبية، يعني ذلك أن ارتفاع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض قد يصبحان واقعاً مستمراً، ما يفرض عليها التعامل مع أعباء الدين والتضخم والإنفاق العام في بيئة مالية أكثر صعوبة.