منشأة للغاز في ألمانيا (أ ف ب)
منشأة للغاز في ألمانيا (أ ف ب)
الجمعة 4 سبتمبر 2026 / 15:50

أوروبا تواجه "صدمة غاز" في ظل ارتفاعات قياسية للأسعار

تجد القارة الأوروبية نفسها مجدداً أمام تحديات أسعار الطاقة، التي عادت لتسجل ارتفاعات قياسية، وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023.

 ومع اقتراب موسم الشتاء، تتضاعف المخاوف من ضغوط إضافية على الأوروبيين والقطاعات الصناعية، بعد أن سجلت العقود الآجلة للغاز، وفق مؤشر "تي تي إف" الهولندي، 75.33 يورو، وهو أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023.

وفي هذا السياق، تقول الخبيرة في أسواق النفط والغاز الدكتورة لوري هايتيان لـ 24: "إن الأوروبيين لا يواجهون أزمة انقطاع في الغاز كما حدث سابقاً، بل يواجهون أزمة ارتفاع في الأسعار"، مشددة على أن الوضع الحالي لا يمكن مقارنته بالزلزال الاقتصادي الذي شهدته أوروبا عام 2022، حيث أحدثت التغيرات الجذرية في منظومة الطاقة الأوروبية مرونة أكبر في التعامل مع السوق.

​كيف ستواجه أوروبا الأزمة وما هي البدائل؟

و​أمام الانحسار المتزايد للغاز الروسي وعوائق التوريد التقليدية، تستند الاستراتيجية الأوروبية إلى التحول نحو البدائل والخيارات المرنة. وتوضح الدكتورة لوري هايتيان أن عام 2022 شهد تحولاً أساسياً في منظومة الطاقة عبر التحرر من الاعتماد على الغاز الروسي، والاعتماد بشكل أكبر على الغاز المسال الذي تأتي النسبة الأكبر منه من الولايات المتحدة.

​وحددت الدكتورة لوري عدداً من النقاط التي ساعدت أوروبا في إيجاد بدائل لشح الغاز المستورد، وهي كالتالي:

  • تطوير البنية التحتية للاستيراد: تمكنت دول مثل ألمانيا واليونان من تدشين محطات جديدة لاستقبال الغاز المسال بقدرات أكبر مقارنة بالأعوام الماضية، مما يمنحها قدرة أعلى على شراء وتوفير الشحنات.
  • ​التوسع في التكنولوجيا والمصادر النظيفة: وشهدت أوروبا انخفاضاً في الطلب على الغاز بنسبة بلغت نحو 17% مقارنة بعام 2022، وذلك بعد زيادة التوسع في الطاقة المتجددة، كما تسجل الدراسات تطوراً متزايداً في الاعتماد على المضخات الحرارية للتدفئة المنزلية.
  • تنويع الموردين: الاعتماد المكثف على الشحنات الأمريكية والغاز النرويجي، إلى جانب عقود التوريد مع دول مثل قطر والجزائر والمكسيك.

سباق المخزونات

و​سارعت دول الاتحاد الأوروبي طوال الأشهر الماضية إلى تعزيز المخزونات الاستراتيجية لتفادي أي صدمات مفاجئة خلال الأيام الأكثر برودة.

وأشارت الخبيرة لوري هايتيان إلى أن سياسة تخزين الغاز تغيرت جوهرياً عن فترة اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ووصلت نسبة الامتلاء في الخزانات الأوروبية حالياً إلى نحو 65%، وتسعى الدول الأوروبية للوصول بالمخزونات إلى 90% بحلول نوفمبر (تشرين الأول) المقبل لمواجهة فصل الشتاء، وهو التحدي الأساسي الراهن.

كما تؤكد هايتيان أن الوصول إلى مستوى تخزين 80% يعتبر مناسباً، ويلبي حاجة الاستهلاك الأساسية خلال موسم الشتاء.

و​رغم عدم وجود خطر حقيقي لانقطاع الإمدادات، إلا أن مسار الأسعار يظل مصدر القلق الرئيسي للمستهلك الأوروبي.

وتقول هايتيان: "كانت هناك آمال بانخفاض الأسعار في حال توقف التصعيد بين أمريكا وإيران وإيجاد حل دبلوماسي يضمن انسيابية وسلاسة تدفقات الغاز وخاصة القادم من قطر، مما يتيح للدول الأوروبية الشراء بأسعار أقل. إلا أن استمرار التوترات يحافظ على المستويات المرتفعة للأسعار وهو ما ينعكس بشكل مباشر على كلفة المعيشة والإنتاج داخل القارة".

ما هي ​أكثر الدول المتأثرة بالارتفاعات الأخيرة؟

تتفاوت درجة التأثر بين دول القارة بناءً على نمط الاعتماد على الغاز وطبيعة البنية التحتية:

  • ألمانيا: تقود قائمة أكثر الدول حساسية بحكم حجم قاعدتها الصناعية الضخمة، التي تعتمد بشكل جوهري على الطاقة، بالإضافة إلى كلفة تحولها السريع إلى الغاز المسال.
  • ​إيطاليا ودول شرق أوروبا: تتأثر إيطاليا نظراً لشدة اعتماد قطاع الكهرباء لديها على الغاز، بينما تعاني دول مثل المجر وسلوفاكيا من ضعف المرونة في الوصول إلى الموانئ والمرافئ المسالة.​

وفي المقابل، تخلق هذه الارتفاعات مكاسب مالية وهيكلية كبيرة لعدد من الدول المصدرة والشركات العالمية، وأبرزها ​الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت المورد الأول والرئيسي للغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، حيث تحقق شركات الطاقة الأمريكية عوائد قياسية من الفارق السعري.

كما عززت النرويج مكانتها كأكبر مصدر للغاز عبر الأنابيب إلى السوق الأوروبية، مما انعكس إيجاباً على العوائد المباشرة لصندوقها السيادي.

ونجحت كل من ​الجزائر وقطر في إبرام عقود توريد طويلة الأجل، وتأمين حصص سوقية أعلى في دول جنوب ووسط أوروبا.