البنك الصناعي والتجاري الصيني في بكين (رويترز)
الخميس 10 سبتمبر 2026 / 15:15
حذرت الجهات التنظيمية الصينية بنوك الاستثمار من دفع أعداد كبيرة من الشركات إلى سوق الطروحات العامة الأولية، في خطوة تستهدف الحد من إدراج الشركات ذات الأسس المالية والتجارية الضعيفة، والحفاظ على استقرار سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين.
جاءت التحذيرات في وقت يشهد فيه سوق الطروحات العامة الأولية في الصين نشاطاً قوياً، وفقاً لتقرير نشرته "فاينانشال تايمز" إذ تجاوز عدد الشركات التي أدرجت أسهمها خلال العام الجاري 100 شركة، جمعت مجتمعة أكثر من 28 مليار دولار، بينما بلغ متوسط مكاسب الأسهم في أول يوم تداول 173%.
وترى الجهات التنظيمية أن استمرار تدفق الشركات إلى السوق من دون تشدد كافٍ في معايير الاختيار قد يؤدي إلى زيادة المعروض من الأسهم، ورفع مخاطر المضاربة، وإضعاف ثقة المستثمرين، خصوصاً إذا كانت الشركات الجديدة تفتقر إلى نماذج أعمال قوية أو مقومات نمو واضحة.
تحذير للبنوك من التسعير المبالغ فيه
شددت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية على ضرورة اتباع البنوك الاستثمارية سياسات أكثر تحفظاً في تسعير الطروحات، بدلاً من السعي إلى تعظيم قيمة الشركات عند الإدراج.
وتدفع السلطات الصينية باتجاه تسعير الاكتتابات عند مستويات تسمح بتحقيق مكاسب ملموسة للسهم في جلسة التداول الأولى، بما يساعد على جذب المستثمرين الأفراد والحفاظ على اهتمامهم بالسوق على المدى الأطول.
وتعكس هذه السياسة محاولة لتحقيق توازن بين رغبة الشركات في جمع التمويل من أسواق الأسهم، وحرص الجهات التنظيمية على عدم تحميل المستثمرين تقييمات مرتفعة قبل أن تثبت الشركات قدرتها على تحقيق النمو والأرباح.
طفرة الطروحات ترفع مخاوف الجهات التنظيمية
تأتي التحذيرات بعد تسجيل عدد من الطروحات الكبرى ارتفاعات حادة في جلساتها الأولى. إذ قفز سهم شركة "سي إكس إم تي" المتخصصة في صناعة الرقائق الإلكترونية، وشركة "يوني تري" العاملة في مجال الروبوتات، بأكثر من 400% عند بدء تداولهما، ما سلط الضوء على قوة الطلب على الشركات المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية.
وتسعى بكين في الوقت نفسه إلى توجيه سوق رأس المال نحو الشركات التي تتماشى مع أولوياتها الصناعية والتكنولوجية، بدلاً من السماح بزيادة عدد الإدراجات لمجرد الاستفادة من شهية المستثمرين تجاه سوق الأسهم.
أولوية للشركات الاستراتيجية
تشير التوجهات التنظيمية إلى أن السلطات تفضل منح مساحة أكبر للشركات التي تمتلك أهمية استراتيجية للاقتصاد الصيني، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والرقائق والروبوتات والصناعات المتقدمة.
وشهد سوق "ستار" المتخصص في شركات التكنولوجيا، منذ إطلاقه عام 2019، توسعاً في أساليب تقييم الشركات، بما في ذلك السماح في بعض الحالات بتقييم شركات لا تحقق أرباحاً على أساس مبيعاتها، عندما تكون مرتبطة بقطاعات تعتبرها الدولة ذات أهمية استراتيجية.
إجراءات لتعزيز استقرار الأسهم بعد الإدراج
لا تقتصر جهود السلطات الصينية على مرحلة الاكتتاب، إذ تتجه أيضاً إلى تشجيع امتلاك المستثمرين للأسهم لفترات أطول، من خلال تمديد فترات حظر بيع الأسهم في بعض الحالات، إلى جانب تشجيع المؤسسات الحكومية والمستثمرين ذوي الأفق الطويل على المشاركة في السوق.
ويستهدف هذا النهج الحد من ظاهرة ارتفاع الأسهم بقوة عند الإدراج ثم تعرضها لضغوط بيع حادة بعد انتهاء موجة المضاربة الأولى، وهي مشكلة يمكن أن تؤثر في ثقة المستثمرين وتزيد تقلبات السوق.
كما أن توسيع قاعدة المساهمين قبل الإدراج يمكن أن يساعد الشركات على تحقيق استقرار أكبر في تداولاتها بعد طرح الأسهم، ويقلل احتمالات خروج المستثمرين الأوائل بصورة جماعية فور السماح لهم بالبيع.
إعادة ضبط سوق رأس المال
تكشف التحذيرات الأخيرة عن توجه صيني لإعادة ضبط سوق الطروحات بدلاً من وقف نشاطه، عبر التركيز على "جودة الشركات، وانضباط التسعير، واستدامة التداول بعد الإدراج".
ويعني ذلك أن بكين لا تبدو راغبة في التضحية بدور سوق الأسهم في تمويل الشركات، لكنها في المقابل تسعى إلى منع تحول طفرة الطروحات إلى موجة إدراجات عشوائية ترفع المخاطر على المستثمرين وتضعف كفاءة تخصيص رأس المال.
وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة في ظل اعتماد الصين المتزايد على أسواق رأس المال لتمويل الشركات العاملة في قطاعات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة.