حوض يجمع المياه الملوثة المتدفقة من منجم فحم سابق في محطة تجريبية بجامعة فرجينيا (أ ف ب)
حوض يجمع المياه الملوثة المتدفقة من منجم فحم سابق في محطة تجريبية بجامعة فرجينيا (أ ف ب)
الجمعة 11 سبتمبر 2026 / 08:47

الفحم الأمريكي يفقد حصته في سوق الكهرباء لصالح الغاز والطاقة المتجددة

يتعمق التراجع الهيكلي للفحم في قطاع الطاقة الأمريكي، مع استمرار تقلص دوره في توليد الكهرباء رغم ارتفاع الطلب الإجمالي على الطاقة، إذ تكشف المؤشرات أن الضغوط التي تواجه صناعة الفحم لم تعد مرتبطة فقط بالسياسات التنظيمية، وإنما أصبحت انعكاساً مباشراً لتغير اقتصاديات التوليد، وتنافس الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، وارتفاع تكلفة تشغيل عدد كبير من المحطات القديمة.

استحوذ الفحم على نحو 17% من إجمالي توليد الكهرباء في الولايات المتحدة خلال 2025، ليحتل المرتبة الثالثة بين مصادر التوليد، خلف الغاز الطبيعي ومصادر أخرى.

وحسب صحيفة "فاينانشال تايمز"، تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع حصة الفحم إلى نحو 15% في 2026، بالتزامن مع زيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة.

ولا يأتي ذلك في وقت ينكمش فيه سوق الكهرباء، بل على العكس، إذ تتوقع إدارة معلومات الطاقة نمواً قوياً في الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً خصوصاً بالتوسع في مراكز البيانات والقطاع الصناعي، لكن نمو الطلب لا يترجم تلقائياً إلى زيادة الطلب على الفحم، إذ تتجه القدرات الجديدة إلى الغاز الطبيعي ومصادر الطاقة المتجددة، فيما يظل الفحم مرتبطاً بدرجة كبيرة بمحطات قائمة منذ عقود.

الإنتاج يتجه إلى الانخفاض

وتتوقع إدارة معلومات الطاقة تراجع إنتاج الفحم الأمريكي من نحو 533 مليون طن قصير في 2025، إلى 516 مليون طن في 2026، ثم إلى قرابة 497 مليون طن في 2027، وفق أحدث توقعاتها، ما يعني انخفاض الإنتاج بنحو 36 مليون طن خلال عامين.

ويرتبط الجزء الأكبر من هذا الانخفاض بتراجع الطلب من قطاع الكهرباء، الذي يظل المستهلك الرئيسي للفحم الأمريكي. وتتوقع الإدارة انخفاض استهلاك قطاع الكهرباء من الفحم بنحو 9% في 2026، بما يعادل 38 مليون طن قصير مقارنة بالعام السابق.

فارق التكلفة يضغط على الفحم

وتظهر اقتصاديات التوليد أحد أبرز أسباب التحول. ففي يونيو (حزيران) 2026، بلغ سعر الغاز الطبيعي المستخدم في المقارنة بمحطات التوليد نحو 25.19 دولار لكل ميغاواط/ساعة، مقابل نحو 35.42 دولار للفحم من منطقة الأبلاش المركزية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة. ويعني ذلك أن الفحم يواجه منافسة سعرية مباشرة حتى قبل احتساب الفوارق المتعلقة بكفاءة المحطات وتكاليف التشغيل والصيانة.

ومع ذلك، لا تعني هذه الأرقام أن الفحم فقد قدرته على المنافسة في جميع المناطق. فقد ارتفع ما يعرف بهامش الربحية لمحطات الفحم في سوق وسط القارة الأمريكية بنسبة 111% خلال 2025، مقابل زيادة بلغت 18% فقط في هامش محطات الغاز الطبيعي، بعدما ارتفعت أسعار الكهرباء بوتيرة أسرع من تكلفة توليد الكهرباء بالفحم.

6.4 غيغاواط مرشحة للخروج في 2026

وتعتزم شركات الكهرباء تقليص جزء إضافي من أسطول الفحم. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة إلى أن نحو 6.4 غيغاواط من قدرات التوليد العاملة بالفحم كانت مقررة للتقاعد خلال 2026، بما يعادل قرابة 4% من أسطول الفحم الذي كان قيد التشغيل بنهاية 2025.

وتأتي هذه الخطوة بعد عام شهد تقاعد 2.6 غيغاواط فقط من قدرات الفحم، وهو أدنى مستوى للتقاعد منذ 2010، بعدما تأجلت عمليات إغلاق كانت مخططة بسبب ظروف مرتبطة بأمن إمدادات الكهرباء وأوامر طوارئ.

وعلى المدى الأطول، تظهر البيانات حجم التغيير بصورة أوضح، إذ من المقرر، وفق خطط المشغلين، انخفاض القدرة التشغيلية لمحطات الفحم من نحو 172 غيغاواط في مايو (آيار) 2025 إلى 145 غيغاواط بنهاية 2028، أي انخفاض يقارب 16% خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات ونصف.

رأس المال يتجه إلى البدائل

ولا تقتصر المنافسة على أسعار الوقود، بل تمتد إلى قرارات الاستثمار، فالمرافق الكهربائية التي تواجه نمواً في الطلب تحتاج إلى إضافة قدرات جديدة، بينما تميل اقتصاديات الاستثمار إلى تقنيات يمكن بناؤها وتشغيلها بتكلفة تنافسية وعلى فترات زمنية أقصر.

وخلال السنوات الماضية، استحوذ الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح على الجزء الأكبر من الاستثمارات الجديدة في قدرات التوليد، في الوقت الذي لم يعد فيه بناء محطات فحم جديدة خياراً واسع الانتشار اقتصادياً.

وتتوقع إدارة معلومات الطاقة أن يستمر الغاز الطبيعي في لعب دور رئيسي في تلبية نمو الطلب، مع بلوغ القدرة العاملة بمحطات الغاز الطبيعي نحو 508 غيغاواط بحلول نهاية 2027، بزيادة قدرها 3% عن المستويات السابقة.

ارتفاع الطلب على الكهرباء لا ينقذ الفحم

المفارقة الأساسية في سوق الطاقة الأمريكي تتمثل في أن الطلب على الكهرباء يتجه إلى النمو، لكن الفحم لا يستفيد من هذا النمو بالقدر نفسه. فالتوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعة يخلق طلباً جديداً على الكهرباء، إلا أن المستثمرين وشركات المرافق يوجهون جزءاً كبيراً من الاستثمارات إلى مصادر أخرى.

وتشير توقعات إدارة معلومات الطاقة إلى أن الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة سيواصلان الاستحواذ على جزء متزايد من مزيج التوليد، بينما يتراجع الوزن النسبي للفحم حتى في ظل ارتفاع الاستهلاك الإجمالي للكهرباء.