(وام)
(وام)
السبت 12 سبتمبر 2026 / 16:11

قمة بريكس في نيودلهي.. صياغة ممرات جديدة للتجارة والمدفوعات الدولية

بين سندان طموحات تكتل بريكس ومطرقة واقع النظام المالي العالمي الجديد، تتبلور ملامح تحول هادئ يعيد رسم الخارطة النقدية الدولية؛ إذ لم يعد مسعى التكتل لبناء منظومة مالية مستقلة مجرد خيار سياسي، بل تحوّل إلى استراتيجية وقائية شاملة تستهدف تقليل الاعتماد على القطب المالي الأوحد، وتوسيع خيارات المعاملات التجارية والاحتياطيات والمدفوعات عابرة الحدود بعيداً عن القنوات التقليدية الحصرية.

ومع انطلاق أعمال القمة الثامنة عشرة للتكتل اليوم السبت في العاصمة الهندية نيودلهي، يواجه التحالف تحدياً بنيوياً يضعه أمام المعطيات الرقمية والواقعية لدى المؤسسات المالية الدولية؛ ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان "بريكس" قادراً على صياغة نظام نقدي بديل يقلل من النفوذ الحصري للدولار، أم أن تحركاته ستقتصر على بناء قنوات تجارية وقائية تتيح له توسيع خياراته والتعايش مع النظام القائم دون القدرة على تغييره جذرياً.

تعزيز البنية التحتية لقطاع المدفوعات

وتركز دول مجموعة بريكس في استراتيجيتها المطروحة اليوم على طاولة القمة في نيودلهي، على تعزيز البنية التحتية لقطاع المدفوعات وتطوير شبكات دفع موازية ومستقلة .
ويسعى التكتل لتحقيق هذا التكامل عبر الاستثمار المشترك في تكنولوجيا سلسلة الكتل والعملات الرقمية للبنوك المركزية، بهدف ابتكار منصات تسوية مرنة تتيح إتمام المعاملات التجارية عابرة الحدود بكفاءة عالية وتكلفة منخفضة، بما يضمن انسيابية التدفقات التجارية البينية عبر قنوات مالية متعددة الخيارات.
بالتوازي مع ذلك، يمثل الذهب ملاذاً سيادياً للبنوك المركزية في الجنوب العالمي، حيث تفوق في بعض الفترات على سندات الخزانة الأمريكية كأكبر أصل احتياطي عالمي لبعض الدول الناشئة. 
وتبحث المجموعة مقترحات لإطلاق وحدات حسابية مدعومة بنسبة من الذهب وسلة عملات محلية لضمان استقرار المعاملات البينية وتجنيبها تقلبات العملات الورقية الغربية. 
كما نجحت الصين وروسيا والهند، إلى جانب الشركاء الجدد في الشرق الأوسط وأفريقيا، في تحويل جزء ضخم من فواتير الطاقة والسلع الأساسية إلى اليوان الصيني، الروبية الهندية.

 فجوة بين الزخم السياسي والواقع النقدي

عند إخضاع طموحات بريكس للمجهر التحليلي للمؤسسات المالية الدولية، تظهر فجوة واضحة بين الزخم السياسي والواقع النقدي؛ إذ ترفض تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فكرة الانهيار الوشيك للدولار، وتصف ما يحدث بالتراجع التدريجي والمحدود للسيطرة. 
ووفقاً لبيانات تقرير تكوين احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية الصادر عن صندوق النقد الدولي، تبلغ حصة الدولار الأمريكي من الاحتياطيات المحددة عالمياً نحو 57%، ورغم أن هذه النسبة تعكس تراجعاً طفيفاً مقارنة بمستويات مطلع القرن الحالي، إلا أنها لا تزال تضع الدولار في صدارة مريحة جداً بفارق شاسع عن اليورو، في حين أن اليوان الصيني الذي يُنظر إليه كبديل مرشح يستقر عند حدود أقل من 2% فقط. 
وفي أحدث المسوح الثلاثية الصادرة عن بنك التسويات الدولية، ظهر أن الدولار الأمريكي لا يزال يمثل أحد طرفي المعاملات في نحو 89% من إجمالي تداولات سوق الصرف الأجنبي العالمية، بالمقاطعة مع حصة اليوان الصيني التي لم تتجاوز 8.5% ، ما يؤكد بحسب خبراء البنك الدولي أن عمق الأسواق المالية الأمريكية وسيولتها الفائقة يجعلان من الصعب العثور على بديل مكافئ يمتلك نفس المرونة.

 العائق الأكبر أمام طموحات "بريكس"

يضاف إلى ذلك أن العائق الأكبر أمام طموحات "بريكس" لا يأتي من واشنطن فحسب، بل يكمن في الداخل الهيكلي للمجموعة نفسها، ما ينعكس بوضوح في كواليس المفاوضات الشاقة الجارية اليوم لصياغة البيان الختامي للقمة الحالية؛ إذ يفتقر التكتل للانسجام الاقتصادي والسياسي اللازم لبناء كتلة نقدية موحدة ومقاومة تماماً للدولار. 
وتمثل العلاقات المتوترة والحدودية بين نيودلهي وبكين حجر عثرة أساسي، فالهند ترفض بوضوح أي مشروع يؤدي إلى استبدال الهيمنة الأمريكية بهيمنة صينية عبر اليوان، مؤكدة أن بلادها لا تتبنى سياسة معادية للدولار بل ترى فيه مصدراً للاستقرار. 
ولكي تصبح أي عملة كاليوان الصيني عملة احتياط عالمية أولى، يجب أن تسمح الدولة بحرية حركة رؤوس الأموال ودون قيود على سحب أو إدخال الأموال، وهو ما ترفضه بكين بشكل قاطع لحماية نظامها المالي الداخلي من الصدمات والتقلبات. 
تشير القراءة الفنية للمؤشرات الجارية في قمة نيودلهي الحالية إلى أن العالم لا يتجه نحو استبدال عملة باحتكار عملة أخرى، بل نحن بصدد الدخول في نظام التعددية القطبية النقدية واللامركزية. 
سيحتفظ الدولار الأمريكي بمكانته في الأسواق الغربية والمعاملات الرأسمالية الكبرى واحتياطيات الدول الحليفة لواشنطن.
 وفي المقابل، سينجح تكتل "بريكس" في انتزاع حصة معتبرة من التجارة المادية والسلعية كالنفط، والغاز، والمعادن، والحبوب لتتم تسويتها عبر ممرات رقمية موازية وعملات محلية. 
والنتيجة الحتمية هي أن تأمين البدائل بات أمراً واقعاً، والقدرة الأمريكية على ممارسة الضغط المالي عبر العقوبات الأحادية قد تقلصت بشكل لا رجعة فيه، مما يعلن رسمياً انتهاء عصر القطب المالي الواحد والبدء في حقبة التوازنات النقدية المعقدة.