الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 / 09:06
2.5 مليار دولار..

كيف تحولت تجارة إيران مع الصين إلى "نفط مقابل سلع"؟

تحولت تجارة النفط بين إيران والصين إلى ما يشبه دائرة مغلقة، لا تعود فيها كل عائدات الخام إلى طهران عبر القنوات المصرفية التقليدية، بل يُستخدم جزء منها داخل الصين لتمويل واردات إيرانية ومشروعات تنفذها شركات صينية، في آلية قدرت مصادر تحدثت إلى "رويترز" أن ما بين 2 و2.5 مليار دولار مر عبر أحد مكوناتها خلال عام واحد.

أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون يتجه إلى الصين.. و1.4 مليون برميل يومياً متوسط المشتريات في 2025

70% من عائدات تمر عبر "ChuXin" تذهب لمشروعات البنية التحتية.. والباقي يمول أدوية وسيارات ومعدات اتصالات

خبيرة لـ"24": المقايضة تمنح إيران مخرجاً مؤقتاً لتمويل احتياجاتها.. لكنها لا تصلح بديلاً دائماً للنظام المالي

وبحسب تحقيق نشرته وكالة "رويترز"، تعتمد الآلية على مبادلة غير مباشرة بين النفط والسلع، إذ تتحول قيمة بعض شحنات الخام الإيراني إلى أرصدة داخل الصين تستخدم لسداد مستحقات شركات تزود إيران بأدوية وسيارات ومعدات اتصالات.

وتذكر الوكالة أن تلك العملية تتم دون أن تدفع طهران لهذه الشركات مباشرة عبر قنوات البنوك المالية.

كيف تتحرك الأموال؟

تنقل "رويترز"، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن مشترياً يعمل لحساب شركة تجارة النفط الصينية الحكومية "Zhuhai Zhenrong" كان يودع، على الأقل حتى 2026، مئات الملايين من الدولارات شهرياً لدى كيان مالي غامض في الصين يعرف باسم "ChuXin"، مقابل مشتريات نفط متفق عليها مع شركة مسجلة في هونغ كونغ ومرتبطة بشركة النفط الوطنية الإيرانية.

ووفق المصادر ذاتها، توجه "ChuXin" الأموال إلى مصدرين صينيين وشركات تنفذ مشروعات بنية تحتية في إيران. ويرجح مرور التحويلات عبر مؤسسات مالية صينية أخرى. 

وتقدر المصادر أن قرابة 70% من عائدات النفط التي يتعامل معها هذا الكيان تذهب إلى مشروعات البنية التحتية، فيما تذهب البقية إلى حسابات كيان ذي غرض خاص "SPV"، يستخدم في دفع مستحقات موردي السلع إلى إيران.

ويؤكد مصدران إيرانيان لـ"رويترز" وجود الـ"SPV". وقالت المصادر الخمسة التي تحدثت إليها الوكالة إن الأموال الموجودة به تديرها جهتان، إحداهما تعمل نيابة عن وزارة التجارة الصينية، والأخرى مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني. وتبدأ عملية الدفع بعد موافقة البنك المركزي الإيراني على منح المستورد حق استخدام الأموال الموجودة في الآلية.

وتقدر المصادر مرور ما بين ملياري و2.5 مليار دولار عبر الـ"SPV" خلال العام الأخير، مشيرة إلى أن الآلية قائمة منذ 2021 على الأقل، واستخدمت في البداية لتأمين الأدوية ولقاحات كورونا قبل اتساع نطاق السلع التي تمولها.

لكن "رويترز" ذكرت أنها لم تعثر على سجل لمؤسسة مالية باسم "ChuXin" في سجلات الشركات الصينية، فيما رجح أحد المصادر أن يكون الاسم مستخدماً فقط داخل سجلات المعاملات. 

وترد وزارة الخارجية الصينية على رويترز بأنها ليست على علم بالترتيب الذي وصفته المصادر.

مشتري النفط الأكبر

تزداد أهمية تلك الآلية مع اعتماد طهران الكبير على السوق الصينية لتصريف الخام. ووفق بيانات شركة "Kpler" التي نقلتها "رويترز"، استحوذت الصين على أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون في 2025، بمتوسط مشتريات  1.38 مليون برميل يومياً، ما يعادل 13.4% من إجمالي مستوردات الصين النفطية المنقولة بحراً.

في المقابل، تظهر الأرقام الرسمية صورة أصغر كثيراً للعلاقة التجارية. وتفيد لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية-الصينية بأن بيانات الصين سجلت تجارة ثنائية مع إيران بقيمة 9.96 مليار دولار في 2025، بينما قدرت اللجنة قيمة النفط الإيراني غير الظاهر في تلك البيانات بقرابة 31.2 مليار دولار خلال العام ذاته.

كما أشارت اللجنة، نقلاً عن تقرير سابق لـ"وول ستريت جورنال"، إلى أن ترتيباً منفصلاً للنفط مقابل مشروعات بنية تحتية ربما مرر ما يصل إلى 8.4 مليار دولار في 2024. ويختلف هذا الرقم عن قيمة الأموال التي ذكرت "رويترز" أنها مرت لاحقاً عبر الـ"SPV".

حل مؤقت

وترى خبيرة الاقتصاد ماريان عزمي أن اللجوء إلى المقايضة يمكن أن يتيح لإيران قناة لتغطية جانب من احتياجاتها الأساسية حين تصبح التحويلات والمدفوعات الخارجية أكثر صعوبة، خصوصاً في الغذاء والدواء والسلع الضرورية.

وتقول عزمي لـ"24" إن هذا النموذج يمكن أن يعمل "لبعض الوقت، ولكن ليس لكل الوقت"، معتبرة أن المقايضة لا تستطيع وحدها تأمين قاعدة دائمة لاقتصاد يحتاج إلى طيف واسع من الواردات والسلع الرأسمالية.

وتضيف أن ميزان المقايضة قد يميل إلى مصلحة الاقتصاد الأكثر تصنيعاً عندما تكون المبادلة بين مواد أولية ومنتجات مصنعة أعلى قيمة، ما يجعل نطاق السلع المتاحة وقيمتها المضافة عاملاً أساسياً في تحديد استفادة كل طرف.

وتأتي هذه الترتيبات في وقت تواصل فيه واشنطن تشديد القيود على تجارة النفط الإيرانية مع الصين في إطار استراتيجية "خنق" موارد إيران. وفي أبريل (نيسان)، حذرت وزارة الخزانة الأمريكية المؤسسات المالية من مخاطر التعامل مع مصافي التكرير الصينية المستقلة التي تستورد الخام الإيراني، ونبّهت إلى أن الصين تشتري نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.