الرئيس الأمريكي ترامب ونظيره الصيني شي جي بينغ خلال قمة بكين (رويترز)
الأربعاء 23 سبتمبر 2026 / 14:41
4 أشهر تفصل بين قمة مايو (آيار) بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جي بينغ في بكين، والقمة المرتقبة في واشنطن، والمقرر لها غداً الخميس، حيث شهدت العلاقات بين البلدين خلال تلك الفترة تحولاً ملموساً في ديناميكيات التفاعل السياسي والاقتصادي.
وبينما اتسمت قمة مايو بأجواء مشحونة، وشد وجذب، على خلفية تصاعد حروب الرسوم الجمركية، واشتعال الحرب الإيرانية، تأتي قمة سبتمبر لتعكس مساراً مختلفاً محكوماً بتهدئة انتقائية، ورغبة مشتركة في ضبط الإيقاع، وسط تغيرات جوهرية في أوراق الضغط وموازين القوى.
4 أشهر من المد والجزر
لم يكن الوصول إلى مشهد سبتمبر (أيلول) الهادئ سهلاً، بل مرّ عبر 4 محطات رئيسية، كشفت عن تقلبات في مسار التفاوض بين الطرفين.
وخلال يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) كان الهدوء النسبي "سيد الموقف"، حيث ساد الانضباط لحماية تفاهمات مايو، حيث حرص الجانبان على تجنب دوامة التصعيد المباشر؛ فلم تتحول انتقادات بكين لفرض رسوم جديدة إلى مواجهة شاملة، ومرت مناوشات وزارة الخزانة الأمريكية بشأن التلاعب بالعملة دون تغيير المسار العام للمفاوضات.
ولكن في أغسطس، انكسر الهدوء، وشهد هذا الشهر تصعيداً متسارعاً، بدأ بالتقنية وامتد إلى التجارة؛ حيث فرضت واشنطن قيوداً على 40 شركة صينية، فردت بكين بتشديد صادرات الطائرات المسيرة، وفرض ضمانات مالية بنسبة 54.3% على واردات المكسرات الأمريكية.
بحلول 25 أغسطس (آب)، لوّحت واشنطن بفرض رسوم بنسبة 7.5% على السلع الصينية، لترتفع إلى 20%، وهو السقف الأقصى المتوافق عليه في الهدنة الجمركية.
ثم حل سبتمبر (أيلول)، لتعود تهدئة انتقائية قبل القمة، وعادت نبرة المرونة؛ وانفتح الطرفان على تأجيل الرسوم الجديدة، ومناقشة تمديد الهدنة الجمركية المقرر انتهاؤها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، إلى جانب خفض الرسوم على سلع غير استراتيجية بقيمة تجارية تبلغ نحو 30 مليار دولار من كل جانب.
تحول أوراق الضغط
وتكشف تفاصيل المشهد الممهد لقمة سبتمبر (أيلول) عن تغير عميق في قواعد اللعبة؛ حيث لم يعد اللقاء مجرد محاولة لاحتواء الأزمات الطارئة كما كان الحال في مايو (آيار)، بل تحول إلى عملية إعادة بناء متأنية لمعادلة الردع والمصالح المشتركة، حسبما ترى الخبيرة الاقتصادية الصينية والمتخصصة في العلاقات الدولية، ليو تشاو.
وتقول ليو تشاو لـ24: "إن القمة المرتقبة تأتي كمرحلة حاسمة لما تم التوصل إليه في مايو (آيار) الماضي؛ إذ تشير إلى أن القمة ستشهد اتجاهات فعلية لنزع فتيل حرب الرسوم الجمركية، والانتقال المباشر لتفعيل الاستثمارات المتبادلة".
وتضيف تشاو أن قمة مايو (آيار) شهدت موافقة مبدئية من بكين على زيادة استثماراتها في واشنطن، بينما ستشهد القمة الحالية بدء الدخول الفعلي لتلك الاستثمارات الصينية إلى السوق الأمريكي.
ولعل أبرز نقاط هذا التوجه هو تصريح ترامب لشبكة "فوكس نيوز"، والذي أبدى فيه انفتاحاً غير مسبوق على إقامة مصانع لشركات السيارات الصينية داخل الأراضي الأمريكية، شريطة الاعتماد على عمالة أمريكية.
كما تمتد التهدئة حسب مكتب الممثل التجاري الأمريكي، جيمسون غرير، وخبرات اقتصادية لتشمل خفض أو إلغاء الرسوم الصينية البالغة 15% على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، وتجميد الرسوم على سلع غير استراتيجية بقيمة تجارية تتجاوز 30 مليار دولار سنوياً لكل طرف.
وعلى صعيد التكنولوجيا، تؤكد ليو تشاو أن التفوق المتبادل في مجال الذكاء الاصطناعي يدفع البلدين نحو تضافر الجهود بدلاً من القطيعة، ليصبح هذا الملف محوراً أساسياً يخدم اقتصاد القوتين. وفي المقابل، يبقى ملف "المعادن النادرة" الورقة الأكثر خطورة وتعقيداً؛ إذ تسيطر الصين على نحو 70% من عمليات التعدين العالمية، و85% من طاقة المعالجة، و90% من إنتاج المغناطيسات والسبائك الاستراتيجية.
وتوضح تشاو أن هذا الملف نظراً لحساسيته العالية لن يُترك بأيدي صغار المسؤولين للتحاور بشأنه، بل سيكون حاضراً على طاولة الرئيسين مباشرة، للتوصل إلى اتفاق يضمن استقرار سلاسل التوريد العالمية.
ثقة صينية متصاعدة
وفي قراءة للخلفيات الاستراتيجية للموقف الصيني، يرى وو شينبو، عميد معهد الدراسات الدولية بجامعة فودان، أن بكين تدخل محادثات سبتمبر (أيلول) بقدر أكبر بكثير من الثقة مقارنة بالسنوات الماضية، مشيراً إلى أن الصين نجحت في إيجاد صيغة فعالة لإبقاء واشنطن تحت السيطرة، مما يفرض على الإدارة الأمريكية التعامل مع بكين على أساس من التكافؤ والاحترام المتبادل، بحسب شبكة "سي إن إن".
ويؤكد سون تشنغهاو، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة تسينغهوا، أن الهدف الصيني الأبرز هو تحقيق "قدر أكبر من الاستقرار والتنبؤ" في العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية.
وتتزامن هذه التحركات مع نبرة حازمة جرى التعبير عنها بوضوح في مقال افتتاحي بصحيفة الشعب اليومية، حيث حذّر السفير الصيني لدى واشنطن، شيه فنغ، من أن قضيتي "تايوان وحقوق الإنسان" تمثلان خطوطاً حمراء، لا يمكن التسامح مع تجاوزها.
وتستند بكين في موقفها التفاوضي القوي إلى قوة تصنيعية هائلة، حققت فائضاً تجارياً عالمياً بلغ 1.2 تريليون دولار، مدفوعاً بالطلب العالمي على السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والرقائق؛ وهي معطيات تمنح الصين قدرة استثنائية على موازنة سياسات "أمريكا أولاً"، وتحويل المواجهة إلى تفاوض محكوم بالمصالح.
وفي المقابل لم تحقق الولايات المتحدة أي فائض تجاري في العام الماضي، بل سجلت عجزاً تجارياً ضخماً يُقدر بنحو 901.5 مليار دولار في تجارة السلع والخدمات مع العالم، وعلى المستوى الثنائي المباشر، سجلت واشنطن عجزاً تجارياً مع الصين وحدها بـ 202 مليار دولار.