صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 / 22:01
"ثري وأولادي جوعى"، بهذه العبارة يصف محمد أمين، من غزة، المفارقة التي واجهها خلال الحرب: يمتلك مصانع وبيوتاً ورصيداً مصرفياً كبيراً، لكنه لم يتمكن من سحب المال لتأمين الطعام لأطفاله بعدما تعطلت البنوك وآلات السحب النقدي. تجربة تضع أمام الأسر سؤالاً يتجاوز حجم المدخرات: كيف تبقى الأموال قابلة للاستخدام عندما تتوقف وسائل الوصول إليها؟
النقد أم البطاقات وقت الأزمات.. كيف تحمي الأسر قدرتها على الدفع وتوازن بين السيولة وكلفة الأمان؟
اقتصادياً، تطرح هذه المفارقة مسألة إدارة السيولة العائلية، من ناحية ما المبلغ المتاح فوراً لتغطية الاحتياجات، وما كلفة الاحتفاظ به، ومدى اعتماد الأسرة على وسيلة دفع واحدة؟.. وتساعد تقارير البنوك المركزية والدراسات الحديثة على بحث هذه الأسئلة، من خلال الموازنة بين سهولة الدفع الإلكتروني، ودور النقد أثناء الأعطال، وتأثير الوسيلتين على الإنفاق.
سيولة وقت التعطل
في سبتمبر (أيلول) 2026، أكد بييرو تشيبولوني، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، أن النقد يساعد على استمرار المدفوعات أثناء انقطاع الكهرباء والإنترنت والهجمات السيبرانية، لأن استخدامه، بعد الحصول عليه، لا يتطلب أجهزة أو وسطاء. وشدد على أن النقد والمدفوعات الرقمية يكمل أحدهما الآخر.
وتكمن أهمية هذا التكامل للأسر في تقليل احتمال تعطل مشترياتها الأساسية. بحسب المتخصصة في الإدارة المالية سمر عادل، فالرصيد المصرفي قد يبقى محفوظاً، بينما تتوقف مؤقتاً القدرة على استخدامه. وعندها يمنح الاحتياط النقدي الأسرة وقتاً لتغطية الطعام والدواء والتنقل، بشرط توافر السلع وقبول المتاجر للنقد.
ولهذا أوصى البنك المركزي السويدي، في تقرير المدفوعات لعام 2026، بتوفير وسائل دفع متعددة، تشمل البطاقات الفعلية ومعرفة أرقامها السرية، وبطاقات تعمل عبر شبكات مختلفة، والنقد بفئات متنوعة. واقترح ألف كرونة (نحو 100 دولار أمريكي) لكل بالغ مؤشراً إرشادياً للاحتياط النقدي، مع مراعاة اختلاف الاحتياجات والتأكيد أن المبالغ الأقل تظل مفيدة.
ويبدأ تقدير الاحتياط من نفقات الأسرة الضرورية لعدة أيام، بحسب عدد أفرادها واحتياجاتهم الصحية وتكاليف معيشتهم، بحسب سمر عادل، وتقول: "تعدد وسائل الدفع يفيد حين يوفر بدائل يمكن استخدامها فعلاً، فتطبيقات مصرفية عدة على هاتف واحد تظل معرضة للتعطل مع فقدان الجهاز أو نفاد بطاريته".
كلفة الوصول للمال
وقد ينشأ العجز عن الدفع من فقدان أدوات الوصول إلى الحساب، حتى عندما تستمر الخدمات المصرفية. ففي لبنان، كان (عمر .س) يستعد لشراء أرض قبل حرب 2024، لكن احتراق منزله وأوراقه الثبوتية وبطاقاته حال دون وصوله سريعاً إلى أمواله. وبينما استغرق استخراج وثائق بديلة وقتاً، اضطر إلى الاستدانة لاستئجار غرفة لعائلته من أشخاص يعرفون أنه يمتلك المال.
وتوضح تجربته كيف يمكن أن تتحول مشكلة الوصول للمدخرات إلى "حاجة للاقتراض"، بحسب سمر عادل، فالأسرة تصبح مطالبة بتغطية نفقة عاجلة، بينما الأموال المخصصة لها غير متاحة، وقد تضاف إلى ذلك تكاليف استخراج الوثائق والتنقل لاستعادة الخدمات.
وبرأيها تحليل هذه المخاطر يستدعي النظر إلى استقلال البدائل من حيث بطاقة إضافية على شبكة مختلفة قد تفيد عند تعطل شبكة بعينها، لكنها لا تضمن الدفع خلال انقطاع واسع للكهرباء والاتصالات، كما أن الاحتفاظ بنسخ آمنة من الوثائق وبيانات التواصل مع البنك قد يسهل إجراءات استعادة الوصول، وفق متطلبات كل مؤسسة.
احتياط له ثمن
وفي المقابل، يترتب على الاحتفاظ بالنقد تعرضه للسرقة أو الفقدان أو التلف، إضافة إلى التخلي عن العائد الذي قد يوفره حساب ادخار، بحسب سمر عادل. لذلك، ترتبط كفاءة الاحتياط بحجمه وطريقة حفظه "مبلغ يغطي احتياجات قصيرة الأجل، مع بقاء المدخرات الأخرى موزعة وفق أغراضها".
وتتمثل الموازنة الاقتصادية، برأيها، في تحمل كلفة محدودة للاحتفاظ بسيولة جاهزة مقابل تقليل احتمال الاضطرار إلى الاقتراض أو تأجيل نفقة ضرورية وقت التعطل، وتختلف هذه الموازنة بحسب استقرار الخدمات، وسهولة الوصول إلى الصرافات، وحجم الالتزامات العائلية، وقدرة الأسرة على حفظ النقد بأمان.
وسيلة الدفع والإنفاق
وتؤثر وسيلة الدفع أيضاً على إدارة الميزانية قبل وقوع الأزمة. ففي دراسة نشرتها مجلة "Journal of Consumer Research" في أغسطس (آب) 2026، شملت 13 تجربة تكرارية وأكثر من 32 ألف مشارك، ارتبط الدفع النقدي بإحساس نفسي أكبر بكلفة الدفع مقارنة بالبطاقات، ووجد الباحثون أثراً على الإنفاق الفعلي، مع اختلاف النتائج بحسب عادات المستخدمين. وتتناول الدراسة سلوك الإنفاق، ولا تختبر التعامل مع الحروب أو الأعطال.
وتضيف هذه النتائج بُعداً إلى تنظيم السيولة من حيث فصل احتياط الطوارئ عن المصروف اليومي، ومراقبة مجموع المدفوعات الإلكترونية حتى لا تستنزف سهولة استخدامها الميزانية المتاحة للضروريات، بحسب سمر عادل، فحماية الأسرة مالياً تجمع بين ضبط الإنفاق وتجهيز بدائل للدفع؛ والرصيد الذي يمكن استخدامه عند الحاجة هو الذي يغطي احتياجاتها فعلياً.