تحميل الكبريت في ميناء نانجينغ بالصين (أ ف ب)
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 / 13:44
تواجه أسواق الغذاء العالمية تحدياً جديداً مع تفاقم نقص إمدادات الكبريت، أحد المكونات الأساسية لصناعة الأسمدة الفوسفاتية، في ظل اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز وتزايد الطلب من شركات التعدين، وسط مخاوف من ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.
وتُفيد صحيفة "فايننشال تايمز"، بأن المنافسة على إمدادات الكبريت المحدودة اشتدت بين شركات التعدين ومنتجي الأسمدة، بعدما أصبحت الشركات المستفيدة من ارتفاع أسعار المعادن أكثر قدرة على تحمل تكاليف المواد الخام، مقارنة بصناعة الأسمدة التي تواجه صعوبة في تمرير زيادات الأسعار إلى المزارعين.
أسعار قياسية واضطرابات هرمز
وفق تقرير الصحيفة، قفزت أسعار الكبريت من مستويات تراوحت عادة بين 100 و200 دولار للطن إلى ما يقارب 1000 دولار خلال العام الجاري، فيما كانت نحو نصف تجارته البحرية تمر عبر مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب.
وبحسب "إس آند بي غلوبال إنرجي"، بلغت أسعار الكبريت في الشرق الأوسط مستويات قياسية تراوحت بين 815 و820 دولاراً للطن في مايو (أيار) الماضي، فيما وصلت الأسعار الواصلة إلى البرازيل إلى 1200 دولار للطن، مع اشتداد نقص المعروض وارتفاع تكاليف الاستيراد.
وتزداد صعوبة معالجة الأزمة، لأن الكبريت يُستخرج أساساً بوصفه منتجاً ثانوياً لعمليات معالجة النفط والغاز، ما يجعل زيادة إنتاجه مرتبطة بنشاط قطاع الطاقة، وليس فقط بارتفاع الطلب عليه.

التعدين ينافس إنتاج الغذاء
تستخدم شركات التعدين حمض الكبريتيك المستخرج من الكبريت في إنتاج المعادن، خصوصاً النحاس، بينما تعتمد عليه صناعة الأسمدة في معالجة الفوسفات وإنتاج الأسمدة الضرورية للمحاصيل الزراعية.
ووفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز"، عزز ارتفاع أسعار النحاس إلى 15 ألف دولار للطن قدرة شركات التعدين على تحمل تكاليف الكبريت وحمض الكبريتيك، مقابل تراجع قدرة منتجي الأسمدة على المنافسة بسبب انخفاض هوامش أرباحهم وصعوبة تمرير التكاليف المرتفعة إلى المزارعين.
وقال راغاف جاين، من وكالة "أرغوس" المتخصصة في تسعير السلع، إن قطاع التعدين "يفوز في حرب المزايدات" على إمدادات الكبريت المحدودة.
في المقابل، أعلنت شركة "أنتوفاغاستا" التشيلية ارتفاع أرباحها خلال النصف الأول من العام بنحو الثلث، رغم ارتفاع تكاليف حمض الكبريتيك والديزل.

شركات الأسمدة تقلص الإنتاج
تظهر تداعيات الأزمة في صناعة الأسمدة، إذ أفاد موقع "بوابة الأمن الغذائي" التابع للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، بأن شركة "موزاييك" الأمريكية أوقفت إنتاج الفوسفات في مصنعين بولاية لويزيانا أواخر أغسطس (آب) الماضي، نتيجة ارتفاع تكلفة الكبريت وصعوبة تأمين الإمدادات.
وقال آندي يونغ، كبير الاقتصاديين في شركة "موزاييك" الأمريكية للأسمدة، إن الشركة لا تستطيع تمرير ارتفاع التكاليف إلى المزارعين، بسبب محدودية قدرتهم على تحمل الأسعار، ما يجعل إبطاء الإنتاج الخيار الآخر المتاح.
ويحذر يونغ من أن "استمرار هذه الضغوط سيظهر بصورة ملموسة في إنتاجية المحاصيل العالمية، قبل أن ينعكس على ارتفاع أسعار الغذاء".

المغرب تحت ضغط ارتفاع أسعار الكبريت
تمتد تداعيات أزمة الكبريت إلى المغرب، أكبر مصدّر للفوسفات عالمياً، إذ حذرت مجموعة "المكتب الشريف للفوسفاط" (OCP)، الشهر الماضي، من تأثير أسعار الكبريت المرتفعة على تكاليف إنتاج الأسمدة، وصعوبة تحميل المزارعين هذه الزيادة.
وبحسب الصحيفة، اتجهت المجموعة المغربية إلى إنتاج أسمدة تتطلب كميات أقل من الكبريت، وتطوير مصادر بديلة لا تعتمد على النفط والغاز، وسط مخاوف من زيادة الضغوط على صناعة الأسمدة الفوسفاتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي في الأسواق المستوردة.

قيود الصين تزيد الأزمة
تتفاقم الضغوط بعد فرض الصين قيوداً على صادرات حمض الكبريتيك في مايو (أيار) الماضي، بهدف دعم احتياجات صناعاتها المحلية، ما قلص المعروض المتاح للمستوردين الدوليين.
وبحسب بيانات نشرها موقع "بوابة الأمن الغذائي"، تراجعت صادرات الصين من حمض الكبريتيك من 2.19 مليون طن في النصف الأول من 2025 إلى 784 ألف طن خلال الفترة نفسها من 2026.
وتُظهر بيانات "برايسبيديا" أن القيود الصينية ساهمت في ارتفاع أسعار تصدير حمض الكبريتيك من الصين، من 68 يورو للطن في يناير (كانون الثاني) إلى أكثر من 470 يورو في أغسطس (آب) الماضي.

هل ترتفع أسعار الغذاء؟
تنتقل آثار نقص الكبريت إلى الغذاء بصورة غير مباشرة، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف إنتاج الأسمدة الفوسفاتية أو تراجع توافرها إلى زيادة الأعباء على المزارعين، ما قد يدفعهم إلى تقليص استخدامها، ويؤثر بالتالي في إنتاجية المحاصيل.
ووفقاً لموقع "بوابة الأمن الغذائي"، ارتفعت أسعار الأسمدة الفوسفاتية بين 25% و30% بعد إغلاق مضيق هرمز، وظلت مرتفعة رغم تراجع أسعار بعض الأسمدة النيتروجينية.
وتحذر "إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس" من تزامن نقص الكبريت مع مخاطر مناخية مرتبطة بظاهرة "إل نينيو"، قد تؤثر في إنتاج المحاصيل في مناطق زراعية رئيسية، بينها البرازيل وجنوب شرق آسيا وأستراليا.
كما تشير مادلين أوفرغارد، مديرة بيانات أسواق الشحن الجاف في "كبلر"، في تصريحات نقلتها "فايننشال تايمز"، إلى أن استمرار اضطراب إمدادات الكبريت قد يؤثر في إنتاجية المحاصيل، وينعكس على أسعار المواد الغذائية التي يدفعها المستهلكون خلال العام المقبل.