آثار إعصار إساياس الذي ضرب ساحل خليج فلوريدا في الولايات المتحدة (أ ف ب)
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 / 09:54
تواجه سوق السندات البلدية الأمريكية تحديات متزايدة في تقييم المخاطر المالية المرتبطة بالكوارث الطبيعية، بعدما تسببت 23 كارثة جوية ومناخية في خسائر مباشرة قُدرت بنحو 115 مليار دولار خلال عام 2025، تجاوزت خسائر كل منها مليار دولار. وفي ظل تصاعد تكاليف الكوارث، كشفت دراسة حديثة عن قصور في الإفصاحات التي تقدمها الجهات المصدرة للسندات بشأن المخاطر المناخية، ما يصعّب على المستثمرين تحديد أثر هذه المخاطر في الجدارة الائتمانية وتسعير أدوات الدين.
وبحسب دراسة نشرتها مؤسسة "سيريس" الأمريكية في 19 أغسطس (آب) 2026، فإن الإفصاحات المقدمة للمستثمرين في سوق السندات البلدية لا توفر بصورة متسقة المعلومات اللازمة لتقييم المخاطر المالية المرتبطة بالظواهر الجوية المتطرفة، خصوصاً فيما يتعلق بالتعرض المستقبلي للكوارث وقدرة الحكومات المحلية على مواجهتها. وأعادت صحيفة "وول ستريت جورنال" تسليط الضوء على هذه المخاطر في تقرير نشرته الأربعاء 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.
ثلث إصدارات السندات لا يذكر المخاطر المناخية
حللت دراسة "سيريس" إفصاحات 60 إصداراً حديثاً من السندات البلدية، صادرة عن جهات في 20 منطقة حضرية أمريكية، اختيرت من بين أكثر 50 منطقة سكاناً وفق مستوى تعرضها للمخاطر المناخية المادية.
وأظهرت النتائج أن 33% من الإصدارات التي شملتها العينة لم تتضمن أي إشارة إلى مخاطر المناخ أو الظواهر الجوية المتطرفة، بينما قدمت 12% فقط مقاييس كمية أو أهدافاً تساعد المستثمرين على تقييم كيفية قياس هذه المخاطر وإدارتها.
كما كشفت الدراسة أن 15% فقط من الإصدارات حددت الجهات المسؤولة عن إدارة المخاطر المناخية، ما يعكس نقصاً في المعلومات المتعلقة بالحوكمة والاستعداد المالي لدى عدد من الجهات المصدرة.
ولا تعني هذه النتائج أن النسب نفسها تنطبق على سوق السندات البلدية الأمريكية بأكملها، إذ اقتصرت الدراسة على عينة مختارة من المناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر، لكنها تكشف جوانب قصور مهمة في الإفصاح لدى الجهات التي شملها التحليل.
23 كارثة تضرب الولايات المتحدة في عام واحد
وفق تقرير مؤسسة "كلايمت سنترال" الصادر في 9 مارس (آذار) 2026، شهدت الولايات المتحدة 23 كارثة جوية ومناخية خلال عام 2025، بلغت الخسائر المباشرة الناجمة عن كل منها مليار دولار على الأقل، بإجمالي يناهز 115 مليار دولار.
واحتل عام 2025 المرتبة الثالثة من حيث عدد الكوارث التي تجاوزت خسائرها مليار دولار منذ بدء السلسلة الإحصائية في 1980، بعد عام 2023 الذي شهد 28 كارثة، وعام 2024 الذي سجل 27 كارثة.
وشملت كوارث عام 2025 نحو 21 حادثة من العواصف الشديدة، إضافة إلى حرائق غابات وكارثة جفاف، وفق التصنيف المعتمد في التقرير.
وتعكس هذه البيانات حجم الخسائر الاقتصادية المباشرة التي تكبدتها الممتلكات والبنية التحتية والأنشطة المتضررة، لكنها لا تمثل خسائر فعلية تكبدها مستثمرو السندات البلدية، أو التزامات مالية انتقلت بالكامل إلى الحكومات المحلية.
من الكوارث الطبيعية إلى مخاطر الائتمان
تؤثر الكوارث الطبيعية في الأوضاع المالية للحكومات المحلية عبر مسارات متعددة، تشمل تضرر البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإصلاح وإعادة الإعمار، وزيادة نفقات التأمين، واحتمال تراجع قيم العقارات أو النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة.
وقد تنعكس هذه التطورات على الإيرادات الضريبية والموارد المتاحة لخدمة الدين، خصوصاً عندما تتكرر الكوارث أو تتزامن مع ضعف الاحتياطيات المالية لدى الجهات المصدرة للسندات.
وتوضح "وول ستريت جورنال" أن المستثمرين أصبحوا أكثر اهتماماً بتقييم هذه المخاطر عند تحديد العوائد المطلوبة مقابل شراء السندات، مع استمرار عدم اليقين بشأن حجم الأضرار المحتملة وتوقيتها.
لكن ارتفاع خسائر الكوارث لا يعني بالضرورة تعثر الحكومات المحلية عن سداد ديونها، إذ تتوقف الآثار الائتمانية على قوة الموارد المالية، والتغطية التأمينية، والمساعدات الحكومية، وطبيعة الضمانات والإيرادات التي تستند إليها السندات.
الإفصاحات الحالية لا تكفي لتسعير المخاطر
أظهرت دراسة "سيريس" أن كثيراً من الجهات المصدرة تركز في وثائق السندات على الكوارث التي وقعت بالفعل، بدلاً من تقديم تقديرات مستقبلية للمخاطر والتكاليف المحتملة.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة لأن آجال السندات البلدية تمتد في حالات كثيرة بين 20 و30 عاماً، ما يجعل تقييم التعرض طويل الأجل للكوارث ضرورياً عند تحديد الجدارة الائتمانية والعائد المناسب للمستثمرين.
وأشارت المؤسسة إلى أن بعض الحكومات المحلية تنفذ بالفعل مشروعات لتعزيز القدرة على مواجهة الكوارث، لكنها لا تعرض هذه الاستثمارات بصورة كافية في وثائق الطرح، ما قد يحول دون أخذ أثرها في خفض المخاطر بعين الاعتبار عند تسعير السندات.
وتبرز الدراسة كذلك تفاوت مستوى الإفصاح حتى بين الجهات التي تواجه أخطاراً مناخية متشابهة، بما يقلل قابلية المقارنة بين الإصدارات، ويجعل تقييم المخاطر يعتمد بدرجة أكبر على مصادر بيانات وتحليلات إضافية.
سوق السندات أمام اختبار الشفافية
تضع نتائج الدراسة سوق السندات البلدية الأمريكية أمام تحدٍّ يتجاوز ارتفاع تكلفة الكوارث الطبيعية، ويتمثل في مدى قدرة الجهات المصدرة على تقديم صورة واضحة للمستثمرين عن المخاطر المستقبلية وخطط مواجهتها.
فالإفصاحات الأكثر تفصيلاً عن التعرض للكوارث، والاحتياطيات المالية، واستثمارات حماية البنية التحتية، قد تساعد المستثمرين على التمييز بين الجهات الأكثر قدرة على تحمل الصدمات وتلك الأكثر عرضة للضغوط المالية.
ومع استمرار تعرض الولايات المتحدة لكوارث مرتفعة التكلفة، تتزايد أهمية إدراج المخاطر المناخية في التقييم الائتماني للسندات، دون افتراض أن جميع الإصدارات تواجه المستوى نفسه من المخاطر أو أن ارتفاع الأضرار الاقتصادية يؤدي تلقائياً إلى تعثر الجهات المصدرة.