مسن يتحدث مع متطوعين من جمعية خيرية داخل شقته بضواحي باريس (أ ف ب)
مسن يتحدث مع متطوعين من جمعية خيرية داخل شقته بضواحي باريس (أ ف ب)
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 / 09:08

شيخوخة أوروبا ترفع إنفاق المعاشات إلى 10.9% من الناتج المحلي بحلول 2050

تواجه الاقتصادات الأوروبية تحدياً مالياً طويل الأجل مع تسارع شيخوخة السكان وارتفاع الالتزامات المرتبطة بالتقاعد والرعاية الصحية، في وقت يعاني فيه الشباب من ارتفاع تكاليف السكن وصعوبة الاستقلال المالي. وتُظهر تقديرات المفوضية الأوروبية أن النفقات العامة المرتبطة بالتغيرات الديموغرافية بلغت 24.4% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي في 2022، فيما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ارتفاع الإنفاق العام على المعاشات من 9.9% من الناتج المحلي في 2023 إلى 10.9% بحلول 2050.

وتعيد هذه المؤشرات تسليط الضوء على التفاوت الاقتصادي بين الأجيال، الذي تناولته مجلة "ذي إيكونوميست" في مناقشتها لأوضاع جيل طفرة المواليد، الذي وُلد أفراده خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، واستفاد كثير منهم من توسع أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية.

ويتمثل التحدي في قدرة الاقتصادات الأوروبية على تمويل التزاماتها المتزايدة تجاه المتقاعدين، مع الحفاظ على الموارد اللازمة للنمو والاستثمار والخدمات العامة، دون تحميل الأجيال العاملة أعباء مالية إضافية يصعب تحملها.

ربع الناتج الأوروبي للإنفاق المرتبط بالشيخوخة
بحسب تقرير الشيخوخة لعام 2024 الصادر عن المفوضية الأوروبية، بلغت النفقات العامة المشمولة بتقديرات الإنفاق المرتبط بالتغيرات الديموغرافية نحو 24.4% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد في 2022.

وتوزعت هذه النفقات بواقع 11.4% للمعاشات التقاعدية، و6.9% للرعاية الصحية، و4.4% للتعليم، و1.7% للرعاية طويلة الأجل.

وتتوقع المفوضية ارتفاع إجمالي هذه النفقات إلى 25.6% من الناتج المحلي بحلول 2070، بزيادة 1.2 نقطة مئوية، مع حدوث الجزء الأكبر من الارتفاع المتوقع بحلول منتصف أربعينيات القرن الحالي. 

ولا تعني هذه النسبة أن ربع الاقتصاد الأوروبي يُنفق مباشرة على كبار السن، إذ يشمل المؤشر التعليم أيضاً، فضلاً عن الخدمات الصحية التي تستفيد منها فئات عمرية مختلفة.

كبار السن يشكلون 22% من سكان الاتحاد
تكشف بيانات يوروستات أن نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر ارتفعت من 17% من سكان الاتحاد الأوروبي في 2005 إلى 22% في 2025.

وبلغ عدد أفراد هذه الفئة نحو 99 مليون شخص مطلع 2025، من إجمالي سكان الاتحاد البالغ نحو 451 مليون نسمة.

كما ارتفعت نسبة إعالة كبار السن من 29% في 2015 إلى 34.5% في 2025، بزيادة 5.5 نقاط مئوية خلال عشر سنوات. ويقيس هذا المؤشر عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر مقارنة بكل 100 شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عاماً.

ويعكس هذا التحول اتساع الفجوة الديموغرافية بين السكان في سن العمل وكبار السن، بما يفرض ضغوطاً محتملة على تمويل أنظمة التقاعد، خصوصاً في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على اشتراكات العاملين الحالية لتمويل معاشات المتقاعدين.

ومع ذلك، لا تعني نسبة الإعالة الديموغرافية أن جميع الأشخاص في سن العمل يعملون بالفعل، أو أن جميع من تجاوزوا 65 عاماً توقفوا عن العمل، إذ تختلف معدلات المشاركة الاقتصادية وسن التقاعد بين الدول.

المعاشات تتجاوز 16% من الناتج في إيطاليا واليونان
تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الواردة في تقرير "نظرة على المعاشات 2025"، إلى أن الإنفاق العام على معاشات الشيخوخة وإعانات الورثة تجاوز 16% من الناتج المحلي الإجمالي في كل من اليونان وإيطاليا، وفق أحدث سنوات البيانات المتاحة.

وفي المقابل، تراوح الإنفاق العام على المعاشات بين 13% و14% من الناتج المحلي في النمسا وفرنسا والبرتغال، بينما انخفض إلى أقل من 3% في أيرلندا وأيسلندا. 

وتكشف هذه الفوارق اختلافاً كبيراً في طبيعة أنظمة التقاعد الأوروبية، وتركيبة السكان، ومستويات الاستحقاقات، ومدى الاعتماد على برامج المعاشات العامة أو الخاصة.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، تتوقع المنظمة ارتفاع الإنفاق العام على المعاشات من 9.9% من الناتج المحلي في 2023 إلى 10.9% في 2050، بزيادة نقطة مئوية واحدة، قبل أن يستقر نسبياً في السنوات التالية. 

وتشير هذه التوقعات إلى استمرار الضغوط على المالية العامة، وإن كانت وتيرتها تختلف بين الاقتصادات الأوروبية تبعاً للإصلاحات التقاعدية، واتجاهات سوق العمل، ومعدلات النمو الاقتصادي والإنتاجية.

أسعار المساكن ترتفع 53% وتضغط على الشباب
بالتوازي مع ارتفاع الالتزامات التقاعدية، تواجه الأجيال الشابة تحديات متزايدة في الحصول على السكن وتكوين الثروة.

فقد ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنسبة 53% بين عامي 2010 و2024، بحسب بيانات يوروستات، مع تسجيل زيادات بلغت 231% في المجر، و228% في إستونيا، و179% في ليتوانيا.

وخلال الفترة نفسها، ارتفعت الإيجارات في الاتحاد الأوروبي بنسبة 25%، بينما بلغ ارتفاع المستوى العام لأسعار المستهلكين 39%، ما يشير إلى أن أسعار شراء المساكن ارتفعت بوتيرة أسرع من التضخم العام على مستوى الاتحاد خلال تلك السنوات. 

وفي 2024، أنفقت الأسر الأوروبية في المتوسط 19% من دخلها المتاح على السكن، وفق بيانات يوروستات، مع تفاوت كبير بين الدول والفئات الاجتماعية.

ويمثل ارتفاع أسعار العقارات أحد العوامل التي تعقّد قدرة الشباب على شراء مساكنهم الأولى، وإن كانت فرص التملك تتأثر أيضاً بمستويات الأجور وأسعار الفائدة وشروط التمويل وحجم المعروض العقاري.

الاستقلال السكني يتأخر إلى ما بعد الثلاثين
امتدت الضغوط إلى توقيت مغادرة الشباب منازل أسرهم، إذ بلغ متوسط العمر عند مغادرة منزل الأسرة في الاتحاد الأوروبي 26.2 عاماً خلال 2024، مقارنة مع 26.3 عاماً في 2023.

وسجلت كرواتيا أعلى متوسط بين الدول المذكورة، عند 31.3 عاماً، تلتها سلوفاكيا عند 30.9 عاماً، ثم اليونان عند 30.7 عاماً، وإيطاليا عند 30.1 عاماً.

وفي المقابل، بلغ المتوسط 21.4 عاماً في فنلندا، و21.7 عاماً في الدنمارك، و21.9 عاماً في السويد. 

كما أظهرت البيانات أن 9.7% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً عاشوا في 2024 ضمن أسر بلغت تكاليف السكن فيها 40% أو أكثر من الدخل المتاح، مقارنة مع 8.2% من إجمالي سكان الاتحاد الأوروبي.

وتبرز هذه الأرقام تفاوت الأعباء السكنية بين الشباب وبقية السكان، لكنها لا تعني أن ارتفاع أسعار العقارات هو السبب الوحيد لتأخر الاستقلال السكني، إذ تؤثر أيضاً العوامل الثقافية وفرص العمل ومستويات الدخل والسياسات السكنية في قرارات مغادرة منزل الأسرة. 

استدامة أنظمة التقاعد أمام اختبار طويل الأجل
تكشف هذه المؤشرات عن تحديين متزامنين أمام صانعي السياسات في أوروبا، أولهما الحفاظ على استدامة أنظمة المعاشات والخدمات العامة في ظل ارتفاع نسبة كبار السن، وثانيهما تحسين قدرة الأجيال الشابة على تحمل تكاليف السكن والادخار وبناء الثروة.

ولا تثبت البيانات وجود علاقة سببية مباشرة بين استفادة جيل طفرة المواليد من أنظمة التقاعد وارتفاع أسعار المساكن، لكنها توضح تزامن الضغوط على المالية العامة مع تحديات اقتصادية تواجه الشباب.

ومع توقع ارتفاع الإنفاق العام على المعاشات إلى 10.9% من الناتج المحلي الأوروبي بحلول 2050، ستظل إصلاحات التقاعد، ورفع معدلات المشاركة في سوق العمل، وتحسين الإنتاجية، وتوسيع المعروض السكني، من أبرز الملفات المرتبطة بقدرة الاقتصادات الأوروبية على تحقيق توازن بين احتياجات الأجيال المختلفة.