جانب من إحدى جلسات مؤتمر تريندز (24)
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 / 17:56
عكست التوصيات التي خرج بها مؤتمر "تريندز للبحوث والاستشارات" السنوي السادس تحولاً بنيوياً في العقيدة الإستراتيجية الحاكمة لمنطقة الشرق الأوسط، إذ قدمت قراءة تفسيرية رصينة لمنعطف جيوسياسي هو الأشد تعقيداً في التاريخ المعاصر.
فبينما تُجبر الارتدادات العميقة للمواجهات العسكرية الأخيرة صُنّاع السياسات على إعادة النظر في ركائز الاستقرار الإقليمي، جاءت توصيات المؤتمر بمثابة وثيقة مرجعية تسعى إلى صياغة منظومة أمنية وجيواقتصادية جديدة تتجاوز مقاربات التهدئة المؤقتة نحو هندسة استقرار مستدام لِمَا بعد الحرب.
الانتقال إلى المسؤولية الذاتية
ويشير التحليل المعمق للتوصيات إلى أن المفهوم التقليدي للردع العسكري القائم على توازن الرعب الكلاسيكي بين الدول قد شَهِد تآكلاً ملحوظاً، خصوصاً مع تبدل طبيعة الصراعات المعاصرة وظهور أنماط معقدة من التهديدات الهجينة وغير المتناظرة
ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوة الإستراتيجية إلى تأسيس هيكل دفاعي وتنسيقي موحد بين دول المنطقة بمثابة إقرار بضرورة الانتقال من الاعتماد الكلي على المظلات الأمنية الخارجية إلى مربع المسؤولية الذاتية والاعتماد المتبادل بين دول المنطقة، وهو تحول يتطلب تفعيل آليات إنذار مبكر مشتركة، وتكثيف التنسيق الاستخباري رفيع المستوى، فضلاً عن تحقيق التكامل العملياتي والدفاعي لمواجهة الطفرات التكنولوجية في تسليح الخصوم.
جبهة الفضاء الرقمي
وفي موازاة المعارك الميدانية، تظهر القراءة التحليلية للمؤتمر أن الجبهة الصامتة والأشد ضراوة في العصر الراهن، وهي جبهة الفضاء الرقمي والمعلوماتي؛ ففي ظل تمدد تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد التلاعب بالبيانات وضخ السرديات المضللة مجرد أداة دعائية بل تحول إلى سلاح فتاك قادر على زعزعة الاستقرار المجتمعي وتوجيه الرأي العام العالمي بعدائية، مما يفرض على دول المنطقة بناء منظومة معلوماتية متطورة تذهب أبعد من الرقابة الكلاسيكية.
وتعتمد هذه المنظومة على رصد الزيف الرقمي فور صدوره، وصياغة سرديات وطنية بديلة تتسم بالشفافية والقدرة على إقناع المجتمع الدولي، بالتوازي مع تحصين الأمن السيبراني للبنى التحتية الحيوية باعتبارها عصب الدولة الحديثة.
ولم تنفصل صلابة الأطروحات الأمنية عن تأمين مجالات الحركة والتجارة العالمية، حيث تقاطعت رؤى الخبراء عند حتمية حماية الملاحة البحرية وحرية حركة البضائع في المضائق والممرات المائية الحيوية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب؛ إذ إن أي اختلال أمني في هذه الشرايين اللوجستية يترجم فوراً على شكل صدمات تضخمية خانقة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما جعل التوصيات تشدد على ضرورة تفعيل أطر القانون الدولي البحري لردع التهديدات، واستثمار القنوات الدبلوماسية لتسوية النزاعات والحد من استهداف البنى التحتية للطاقة صوناً للأمن الجماعي.
مقاربة تنموية ذكية
على الصعيد الجيواقتصادي، قدم المؤتمر مقاربة تنموية بالغة الذكاء تنطلق من وعي عميق بأن المصالح الاقتصادية المشتركة قادرة على جسر الفجوات السياسية وضمان ديمومة السلام.
وتتبلور هذه الرؤية في السعي نحو صياغة نموذج جديد للاتصال الإستراتيجي يربط الشرق الأوسط بالقوى الاقتصادية الصاعدة في آسيا وإفريقيا، وذلك عبر تطوير ممرات بحرية متعددة الوسائط وتحديث البنية اللوجستية للموانئ لضمان استمرار حركة التدفقات حتى في ذروة الأزمات.
وامتداداً لهذا التوجه التنموي، ركزت الرؤية الجيواقتصادية على تبني طرح رائد يربط أمن الطاقة بأمن الغذاء في إستراتيجية موحدة لحماية المجتمعات من الصدمات الخارجية، بالتوازي مع التوسع في اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة لفتح أسواق جديدة وجذب استثمارات نوعية تخفف من وطأة الهشاشة الهيكلية للاقتصادات الإقليمية.
مخرجات رصينة
تأتي المخرجات الرصينة للمؤتمر لتؤكد من جديد على التحول الجوهري في أدوار مراكز الفكر والدراسات، وفي مقدمتها تريندز للبحوث والاستشارات، التي لم تعد مجرد جهات راصدة للأحداث بل شريكاً معرفياً ومستشاراً إستراتيجياً لصانع القرار.
فالأمن في عالم اليوم المعقد لم يعد يقتصر على صمت المدافع، بل هو مرونة شاملة تتكامل فيها القدرات العسكرية والاقتصادية والسيبرانية والمعلوماتية، لتصبح توصيات هذا المؤتمر بمثابة الوثيقة المرجعية للانتقال بالمنطقة من إنهاك إدارة الأزمات إلى رحاب صناعة السلام الدائم وبناء الاستقرار الذي تستحقه شعوبها.