محل صرافة يحول ليرات لبنانية إلى الدولار الأمريكي (أ.ب)
الخميس 15 أكتوبر 2026 / 15:32
يدفع لبنان ثمناً اقتصادياً مرتفعاً للحرب الدائرة في المنطقة، بعدما بددت المواجهات العسكرية جانباً كبيراً من التعافي الذي بدأ يظهر خلال 2025، وأعادت الاقتصاد إلى مسار الانكماش، وسط تراجع السياحة والاستهلاك، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، واتساع الأضرار التي لحقت بالمساكن والبنية التحتية، وفقاً للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ويتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال 2026، بعد نمو حقيقي بلغ 4.2% في 2025، وهو أسرع معدل نمو يسجله الاقتصاد منذ اندلاع الأزمة المالية في 2019، قبل أن يؤدي تجدد الصراع في مارس (آذار) إلى وقف زخم التعافي، بحسب أحدث إصدار من "المرصد الاقتصادي للبنان" الصادر عن البنك الدولي.
من التعافي إلى الانكماش
ودخل الاقتصاد اللبناني 2026 على أساس أكثر تحسناً، مدعوماً بقوة الاستهلاك والاستثمار والسياحة وبعض المؤشرات الاقتصادية الآنية، قبل أن يؤدي تصاعد الصراع إلى إلحاق أضرار جديدة بالمساكن والبنية التحتية، وتعطيل سلاسل الإمداد، وإضعاف السياحة والطلب المحلي، وفقاً للبنك الدولي.
وقدّر البنك أن الصراع سيخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 10.4 نقاط مئوية مقارنة بسيناريو افتراضي لا يشهد حرباً، بما يعكس الحجم الكبير للخسائر الاقتصادية الناجمة عن المواجهات، بحسب البنك الدولي.
كما توقع البنك الدولي ارتفاع التضخم إلى 17.5% في 2026، بفعل اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط، بما يفرض مزيداً من الضغوط على القوة الشرائية للأسر، وفقاً للبنك الدولي.
وقالت داليا خليفة، مديرة البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط، إن تجدد الصراع ألحق انتكاسة حادة بالتعافي الهش في لبنان، مؤكدة أن التقدم في إصلاح القطاع المصرفي وإدارة المالية العامة سيكون أساسياً لاستعادة الثقة وحماية الاستقرار وحشد التمويل اللازم لإعادة الإعمار والتعافي، بحسب البنك الدولي.
وفي مؤشر على اتساع حالة عدم اليقين بشأن حجم الخسائر، حذر وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) من أن الانكماش قد يصل إلى 10% خلال 2026، قبل أن يقدره في مقابلة لاحقة بنحو 7% أو أكثر، ما يعكس صعوبة تحديد الأثر النهائي للحرب مع استمرار تطوراتها، وفقاً لتصريحات للبساط نقلتها وسائل إعلام لبنانية.
صندوق النقد يحذر من تداعيات الحرب
وقال صندوق النقد الدولي، عقب زيارة بعثته إلى بيروت في سبتمبر (أيلول)، إن الحرب بين إسرائيل وحزب الله والتطورات الأمنية والجيوسياسية في المنطقة ألقت مجدداً بثقلها على الاقتصاد اللبناني ومستويات المعيشة، متوقعاً انكماش النشاط الاقتصادي بصورة كبيرة خلال 2026، بحسب صندوق النقد الدولي.
وأضاف الصندوق أن التضخم لا يزال في خانة العشرات، فيما اتسع عجز الحساب الجاري بصورة رئيسية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، بالتزامن مع أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية والمساكن، ونزوح داخلي واسع وتدهور ملموس في الظروف المعيشية للنازحين، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
ورغم هذه الضغوط، أشاد الصندوق بنجاح السلطات اللبنانية في الحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي الكلي، بما في ذلك من خلال اتباع سياسات مالية ونقدية حذرة، بحسب صندوق النقد الدولي.
صندوق النقد يدعو لدعم الدول محدودة الدخل.. ويحذر من فجوة الذكاء الاصطناعي - موقع 24قالت كريستالينا غورغيفا، مديرة صندوق النقد الدولي، الأربعاء، إن "التطورات الاقتصادية الحالية والوتيرة السريعة لتطور الذكاء الاصطناعي قد تزيدان الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية"، لا سيما في ظل انخفاض مساعدات التنمية بشكل حاد.
الإصلاحات شرط لبرنامج جديد
وفي الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، أكد صندوق النقد الدولي أن التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن برنامج تمويلي محتمل يتطلب استكمال مجموعة من الإصلاحات الأساسية، وفي مقدمتها دخول تعديلات قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
وقالت المتحدثة باسم الصندوق جولي كوزاك إن المتطلبات تشمل أيضاً إقرار قانون مناسب لمعالجة الفجوة المالية يتوافق مع المعايير الدولية، إلى جانب إعداد موازنة 2027 وإطار مالي متوسط الأجل ينسجمان مع هدف استعادة استدامة الدين العام، والتقدم في إصلاح الإدارة المالية العامة والحوكمة، بحسب صندوق النقد الدولي.
ويظل القطاع المصرفي اللبناني في قلب الأزمة الاقتصادية التي بدأت في 2019، فيما شدد الصندوق على ضرورة إعادة هيكلته بطريقة تحترم ترتيب حقوق الدائنين، وتحمي استدامة المالية العامة والدين، وتتيح في نهاية المطاف استعادة نظام مصرفي قابل للاستمرار، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
صندوق النقد يتوقع انكماش اقتصادات المنطقة 1.3% في 2026 وتعافياً بنمو 6.6% في 2027 - موقع 24توقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 1.3% خلال 2026، مقارنة بنمو بلغ 3.3% في 2025، في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط واضطرابات إنتاج الطاقة وحركة التجارة والشحن.
السياحة والطاقة تضاعفان الخسائر
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الأضرار المادية المباشرة، إذ حدد البنك الدولي السياحة والاستهلاك الخاص باعتبارهما من القنوات الرئيسية التي انتقلت من خلالها آثار الصراع إلى الاقتصاد اللبناني، بعد أن كانا من أبرز محركات التعافي في 2025، وفقاً للبنك الدولي.
كما يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن واضطرابات الإمدادات إلى زيادة الأعباء على الشركات والأسر، فيما يحذر البنك الدولي من أن استمرار النزوح وتضرر التعليم والصحة ورأس المال المادي، فضلاً عن احتمال هجرة العمالة الماهرة، يمكن أن يترك آثاراً طويلة الأجل على القدرة الإنتاجية والنمو، وفقاً للبنك الدولي.
وسجلت المالية العامة أداءً أفضل خلال النصف الأول من 2026 امتداداً للتحسن المسجل في 2025، إلا أن البنك الدولي يتوقع تزايد الضغوط خلال النصف الثاني من العام بفعل الاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار، وزيادة الإنفاق العام وتباطؤ نمو الإيرادات، في وقت لا يزال فيه الدين العام غير مستدام ولم تبدأ بعد مفاوضات إعادة هيكلته، بحسب البنك الدولي.
وبينما تختلف التقديرات بشأن الحجم النهائي لانكماش الاقتصاد في 2026، تتفق المؤسسات الدولية والسلطات اللبنانية على أن الحرب أنهت زخم التعافي الذي ظهر في العام الماضي، وأن استعادة مسار نمو مستدام ستظل مرتبطة بتهدئة الأوضاع الأمنية والمضي في إصلاح القطاع المصرفي والمالية العامة وإعادة بناء الثقة، وفقاً للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.