متداولون في بورصة وول ستريت (أ ف ب)
الخميس 15 أكتوبر 2026 / 22:25
تتعرض طفرة الذكاء الاصطناعي لاختبار حقيقي، حيث دخلت مرحلة جديدة من التدقيق المالي الشديد، إذ تدفع موجة البيع الواسعة في الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الفائدة، المستثمرين إلى إعادة حساباتهم، إما بتأجيل خطط جمع التمويل، أو القبول بكلفة رأس مال باهظة حالياً.
ويأتي هذا التحول الهيكلي في وقتٍ يتساءل فيه المستثمرون بوضوح: هل تستطيع البنية التحتية المحركة للذكاء الاصطناعي توليد عوائد حقيقية، تبرر حجم الإنفاق الضخم على الأراضي، والطاقة، والرقائق الإلكترونية؟.
تراجع الاكتتابات وتصاعد التحفظ
وخلال الأيام القليلة الماضية، ومع تذبذب أسهم التكنولوجيا، توقفت عجلة الطروحات العامة لعدد من كبرى الشركات في القطاع، وفق تقرير لوكالة رويترز.
وشمل هذا التجميد طروحات بارزة لشركة "إيرترانك" للتمويل العقاري المدعومة من "بلاكستون"، وشركة "فيرموس" المدعومة من "إنفيديا"، إضافة إلى "إس بي إينرجي" التابعة لـ "سوفت بنك".
ورغم هذا التحفظ، يؤكد محللون أن ما يحدث لا يعني انحسار الاستثمار في القطاع، بقدر ما يمثل نقطة تحول تفرض على المستثمرين التدقيق في نماذج الأعمال القائمة على أسس متينة، وتلك المحفوفة بمخاطر التشغيل والمديونية.
ويقول هاري إيفانز، الشريك في مكتب "فراشفيلدز" للمحاماة،: "تحول محور النقاش بالكامل؛ لم نعد نتحدث عن النمو بأي ثمن، بل أصبح التركيز ينصب بدقة متناهية على الجودة والاستدامة المالية فقط".
مفارقة الأرقام
ويكشف المشهد المالي عن مفارقة لافتة؛ فبينما يتردد سوق الأسهم في استيعاب التقييمات المرتفعة، تعيش عمليات الدمج والاستحواذ في قطاع مراكز البيانات الآسيوية عاماً قياسياً.
ووفقاً لبيانات "ديالوجيك"، بلغت قيمة صفقات الاستحواذ في آسيا 21.3 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وهو ما يتجاوز ضعف إجمالي صفقات عام 2025 بأكمله (10 مليارات دولار). كما واصل سوق الديون دعمه للقطاع بقروض مشتركة وإصدارات سندات بلغت 22.3 مليار دولار خلال العام الجاري.
وعلى الجانب الآخر، انخفض التمويل عبر أسواق الأسهم إلى 5.4 مليار دولار، بتراجع 4.6%، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويرى نيكولاس توان، مدير الخدمات الاستشارية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة "سافيلز" العقارية، أن الاكتتابات الأولية غالباً ما تعتمد على الزخم والضجة الإعلامية لتحقيق زيادة في الإقبال، وقال: "لكن عندما تفكك المكونات الأساسية لا تجد قيمة حقيقية كافية في الأصل التجاري نفسه".
وكانت تجربة شركة "فيرموس" في أستراليا خير شاهد؛ حيث عجزت عن إقناع المستثمرين بجمع 5 مليارات دولار في ثاني أكبر طرح بالسوق الأسترالي، في ظل ديون تراكمت لتناهز 30 مليار دولار، وتوقعات إيرادات اعتبرها السوق طموحة أكثر من اللازم. كما ألغت شركة "هولتك" للخدمات النووية طرحها في الولايات المتحدة متعللة بـ "عاصفة مثالية" من حالة عدم اليقين بشأن طلب مراكز البيانات.
ضغط أسعار الفائدة ومخاطر التنفيذ
وتتمركز المشكلة الأساسية في الارتفاع الحاد لتكاليف الاقتراض؛ حيث سجلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات صعوداً فصلياً هو الأعلى منذ مطلع القرن الحالي، مما أجبر البنوك والمستثمرين على إعادة تقييم التدفقات النقدية المتوقعة، ومقارنتها بأعباء الديون.
وحذر غاري غوه، الرئيس التنفيذي لشركة "سبرينت دي سي" الاستشارية في كوالالمبور، من أن الاستمرار في تمويل المشاريع بأسعار فائدة مرتفعة سيجر السوق نحو تصحيحات حادة في التقييمات.
وإلى جانب الفائدة، تبرز معضلة "مخاطر التنفيذ"؛ إذ لم يعد التحدي مقتصراً على ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه، بل امتد إلى معارضة مجتمعية وتنظيمية في بعض الدول، بسبب الضوضاء والتأثيرات البيئية.