الخميس 22 أكتوبر 2026 / 14:47
من الصعب اعتبار أن العلاقة بين دول الخليج والقوى الدولية الكبرى تُقاس فقط بحجم التجارة والاستثمارات والشراكات التجارية، أو حتى بصفقات السلاح. فمع سيناريو التصعيد الأخير في الإقليم، ووقوع الممرات البحرية تحت ضغط وتهديد غير مسبوق، يفتح ذلك باب التساؤلات الأهم حول دور القوى الخارجية عندما يصبح التصعيد أزمة، والتهديد الأمني خطراً واقعاً.
في السنوات الأخيرة، استطاعت روسيا والصين توسيع شبكة علاقاتهما السياسية والاقتصادية والأمنية مع دول الخليج العربي، وفي الوقت نفسه، حافظت موسكو وبكين على علاقاتهما مع إيران. هذا الحضور الروسي والصيني في الخليج، المرتبط تاريخياً بالولايات المتحدة، قد يكون أمراً لافتاً حقاً، لكنه لا يعني بالضرورة امتلاك موسكو وبكين مقومات أو التزامات الضمان الأمني لدول الخليج.
هذه المسألة ظهرت بوضوح مع اندلاع أزمة مضيق هرمز. ففي أبريل (نيسان) 2026، استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن يتعلق بأمن الملاحة في المضيق والمياه المحيطة به. صحيح أن الاعتراض الصيني والروسي غُلّف بطريقة أوسع تفترض أن جذور المسألة لن تُحل بهذه الطريقة، وأن صياغة القرار لا تقدم حلاً للمسألة، إلا أن النتيجة العملية كانت الحيلولة دون اعتماد صيغة أممية بشأن حماية الملاحة في المضيق، وهو ما وضع روسيا والصين في موقع الطرف المعطل لإيجاد صيغة حماية دولية لدول الخليج.
والحقيقة أن هذه المواقف لا بد أن تطرح السؤال الأهم أمام دول الخليج، بعيداً عن العلاقة المباشرة مع روسيا والصين: ما الذي يمكن توقعه من شريك اقتصادي وسياسي تتعارض أولوياته، في لحظة معينة، مع المتطلبات الأمنية لدول المنطقة؟
صحيح أنه في الحالة الروسية، ليس هناك اتفاقيات دفاعية تجعل روسيا مضطرة لاتخاذ خطوات إجرائية على الأرض، كأي تحالفات عسكرية تقليدية، لكن غياب موقف حاسم روسي تجاه العدوان على دول الخليج يظهر ميل روسيا للالتزام باتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران، الموقع في العام 2025، والذي عزز التعاون بين البلدين. لكن هذا الاتفاق نفسه لا يتضمن التزاماً بالدفاع المتبادل بين البلدين، وهو ما يقدم صورة أوضح للفرق بين التعاون الاستراتيجي وبين الضمان الأمني الرسمي.
في الحالة الصينية، تواجه بكين معادلة مختلفة، أساسها الارتباط الاقتصادي بدول الخليج والاعتماد على المنطقة كمصدر طاقة مهم، وارتباطها بعلاقات استراتيجية مع إيران. لهذا قد يكون المحرك الأساسي الصيني هو خطر عدم الاستقرار في الخليج، الذي يضر بمصالحها الاقتصادية المباشرة، وهو معيار أساسي في التفكير الاستراتيجي الصيني حتى في حالة ترجيح فكرة الانخراط العسكري.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد تكون لدى الصين مصلحة قوية في استقرار الممرات البحرية، لكن امتلاك المصلحة لا يعني بالضرورة استعدادها لتحمل تكلفة عسكرية أو سياسية كبيرة من أجل توفير هذا الاستقرار. وفي يوليو 2026، أجرت بكين اتصالات مباشرة مع الحوثيين بهدف تأمين مرور ناقلات صينية عبر باب المندب، وهو مثال على تفضيل أدوات الاتصال والتفاوض لحماية مصالح محددة بدلاً من الانخراط العسكري المباشر.
بالنسبة لصناع القرار الخليجيين، لا يعني ذلك أن الشراكة مع روسيا أو الصين عديمة القيمة، بل إن طبيعة هذه الشراكة تحتاج إلى تعريف أكثر دقة. فالتعاون في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة والدبلوماسية يمكن أن يكون مهماً، لكن لا ينبغي افتراض أن هذه العلاقات تعادل تلقائياً التزاماً بضمان الأمن الإقليمي.
المسألة الأساسية إذن ليست ما إذا كانت روسيا أو الصين تريدان دوراً أكبر في الخليج، بل أي نوع من الأدوار يمكنهما تقديمه عندما تتعرض المصالح الإقليمية لضغط مباشر. وبين النفوذ السياسي، والشراكة الاقتصادية، والتعاون الدفاعي، والضمان الأمني، توجد فروق عملية ينبغي أن تبقى واضحة في أي نقاش حول مستقبل الأمن الخليجي.