معرض "شيري" للسيارات (رويترز)
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 / 14:26
لم يعد تراجع المبيعات التحدي الوحيد أمام صناعة السيارات الصينية، بل باتت قدرتها على تقليص الإنتاج وإخراج الشركات المتعثرة من السوق اختباراً أكثر تعقيداً. فالحكومات المحلية التي مولت صعود القطاع تتمسك بمصانعه لحماية الوظف والإيرادات، ما يُبقي طاقات إنتاجية ضخمة قيد التشغيل، ويدفع الشركات إلى تصريف فائضها خارج الحدود.
وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، تستطيع المصانع الصينية إنتاج نحو 63 مليون مركبة خفيفة سنوياً، بينما يُتوقع أن تبلغ مشتريات المستهلكين المحليين من سيارات الركوب 18.5 مليون سيارة هذا العام، في أضعف أداء منذ 2014، بعدما تراجعت المشتريات نحو 22% خلال الأشهر التسعة الأولى.
مصانع أكبر من مبيعاتها
وتجسد شركة "سكاي وورث أوتو" الفجوة بين الطموحات والواقع. فقد أعلنت عام 2021 قدرة مصنعها الرئيسي على إنتاج 100 ألف سيارة كهربائية سنوياً، لكنها باعت داخل الصين 660 سيارة فقط حتى سبتمبر (أيلول) الماضي.
أبواب الغرب تضيق.. أين تذهب ملايين السيارات الصينية؟ - موقع 24تبحث شركات السيارات الصينية عن مساحة أوسع خارج أسواقها التقليدية، مع تصاعد الحواجز التجارية في الغرب، في وقت تدرس فيه بريطانيا فرض رسوم إضافية على السيارات الكهربائية الصينية، بعد أكثر من عام على تطبيق الاتحاد الأوروبي رسوماً تعويضية على هذه المركبات.
ورصدت الصحيفة خلال زيارة موقعين لوكلاء الشركة في نانجينغ غياب السيارات والزبائن والموظفين، بينما تبين أن معرضاً في شنغهاي مدرجاً على موقعها الإلكتروني مغلق منذ فترة طويلة. ومع ذلك، تواصل الشركة عرض طرازات جديدة والإعلان عن وظائف.
وتملك حكومة إحدى مناطق نانجينغ حصة قدرها 5% في الشركة المصنعة لسيارات "سكاي وورث" الكهربائية للركاب، وفق بيانات "تيانيانتشا" التي أوردتها الصحيفة، فيما سبق أن أشادت الحكومة المحلية بالدعم الشامل الذي قدمته للمشروع.
إنقاذ يؤجل إعادة الهيكلة
وتعود جذور المشكلة إلى تحالف الحكومات المحلية مع الشركات لبناء صناعة السيارات الكهربائية. وبحسب "أليكس بارتنرز"، بلغ عدد العلامات الصينية الكهربائية التي تبيع طرازاً واحداً على الأقل 143 علامة بنهاية 2025.
ومن أبرز الأمثلة إنقاذ مدينة خفي شركة "نيو" مطلع 2020 باستثمار يعادل نحو 700 مليون دولار. ووفق دراسة أكاديمية نقلتها الصحيفة، شجع النجاح الأولي للتجربة صفقات مشابهة، حصلت خلالها شركات على مصانع وحوافز وتمويل ميسر.
لكن إغلاق هذه المشروعات يهدد الوظائف والإيرادات الضريبية. وقال تو لي، المدير الإداري لشركة "ساينو أوتو إنسايتس"، للصحيفة، إن ارتباط تقييم المسؤولين المحليين بالحفاظ على التوظيف وتوليد الضرائب يخلق فجوة بين الخطط المركزية والتنفيذ المحلي.
%16.7 تراجع مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة.. وانخفاض أسهم الشركات الصينية - موقع 24تواجه شركات السيارات الصينية ضغوطاً متزايدة خلال 2026، مع استمرار تراجع المبيعات في السوق المحلية وتزايد القيود التجارية في أوروبا، ما انعكس على أداء أسهم عدد من أبرز الشركات وأثار تساؤلات بشأن قدرتها على الحفاظ على نمو الصادرات والأرباح في ظل اشتداد المنافسة وتباطؤ الطلب.
ويشير التقرير أيضاً إلى التخلي عن خطط لإعادة هيكلة "دونغ فنغ" و"تشانغان"، وسط تقديرات محللين بأن المدينتين المضيفتين لم ترغبا في التنازل عن موقعهما.
أسعار تتراجع وصادرات تتسارع
وتدفع الطاقة الفائضة الشركات إلى خفض الأسعار أو التصدير. ووفق "أليكس بارتنرز"، انخفضت أسعار السيارات في الصين بنحو الخُمس منذ مطلع 2023، بينما تراجع هامش أرباح القطاع إلى 3.6% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بحسب جمعية سيارات الركوب الصينية.
وتؤكد بيانات الجمعية، اتساع الفجوة بين الداخل والخارج؛ إذ انخفضت مبيعات سيارات الركوب محلياً 28.1% في سبتمبر إلى 1.63 مليون سيارة، فيما ارتفعت صادراتها 73.2% إلى 923 ألف سيارة.
وتتجه صادرات السيارات الصينية إلى بلوغ 12 مليون مركبة هذا العام، وفق رئيس الجمعية الذي نقلت عنه "وول ستريت جورنال"، مقابل نحو مليون سنوياً في بداية العقد الحالي.
ولا يقتصر التوسع على أوروبا. فبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية، ذهب أكثر من نصف مبيعات السيارات الكهربائية الصينية خارج البلاد خلال 2025 إلى أسواق غير أوروبا والولايات المتحدة، وارتفعت مبيعات السيارات الصينية الصنع في جنوب شرق آسيا 130%، والشرق الأوسط 60%، وأمريكا اللاتينية 55%.
وقال خبير السيارات جمال عسكر، في تصريحات سابقة لـ"24"، إن الانتشار في أسواق متعددة يساعد الشركات الصينية على تعويض جانب من الضغوط الغربية، مستفيدة من الأسعار والتجهيزات وتحسن خدمات الصيانة والضمان.
الأزمة تعبر الحدود
لكن تصريف الإنتاج خارجياً يزيد الضغط على المنافسين. وبحسب "وول ستريت جورنال"، استحوذت أكبر خمس شركات سيارات صينية على 11.7% من السوق الأوروبية في سبتمبر، فيما تبيع "بي واي دي" سيارتها "سيل" الهجينة في بريطانيا بسعر يقل بأكثر من عشرة آلاف دولار عن "فولكسفاغن باسات" بتجهيزات مماثلة.
ونقلت الصحيفة عن رئيس "فولكسفاغن" أوليفر بلومه قوله إن تكاليف الإنتاج الأوروبية لا تسمح بمجاراتها. وتستهدف المجموعة إلغاء ما يصل إلى 50 ألف وظيفة ضمن إعادة هيكلة جديدة.
ومع ربط دول مثل تايلاند وإندونيسيا والبرازيل الحوافز بالتصنيع المحلي، وفق وكالة الطاقة الدولية، يتجه التوسع الصيني أيضاً إلى إقامة مصانع خارج البلاد.
وتبقى معالجة أصل الأزمة أصعب من توسيع منافذ البيع. فبكين تدعو إلى كبح المنافسة المفرطة، بينما تتمسك السلطات المحلية بمشروعاتها. ويرى الباحث فنغمينغ لو، أن تقليص فائض صناعة السيارات أشد تعقيداً من الصلب والألمنيوم، بسبب كثافة العمالة وارتباط المصانع العميق بالاقتصادات المحلية.