د. جاسم المناعي- صحيفة الأيام البحرينية
مؤتمر المناخ (كوب 28) يمثل فرصة تاريخية لا تعوض
استطراداً لما نشرناه خلال الأيام القليلة الماضية حول مؤتمر المناخ كوب 28، نود في هذا المقال متابعة هذا الموضوع مع التركيز بشكل أخص على بعض القضايا التي يثار مؤخراً حولها الجدل، والتي نعتقد بأنها لا يجب أن تثني من جهود القائمين على هذا المؤتمر في تحقيق النجاح المأمول لهذا الحدث.
ولابد في هذه المناسبة من التذكير بأن كوارث المناخ الأخيرة والمتتالية من زلازل وفيضانات وعواصف وارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة تمثل مبررات غير قابلة للجدل حول ضرورة التحرك الجماعي والسريع للعمل على تجنب مزيد من هذه الكوارث التي قد تكون أكثر شراسة وأوسع تدميراً.
صحيح أن مؤتمر المناخ القادم كوب 28 ليس هو الأول حول هذا الموضوع، لكن وكما نعلم فإن المؤتمرات السابقة وحتى الآن لم يكن لها حسبما يبدو وقع مؤثر على حجم التحديات التي يفرضها موضوع المناخ. من هذا المنطلق نعتقد بأن مؤتمر المناخ (كوب 28)، والذي سيعقد في دولة الإمارات يمثل فرصة لا تعوض لتحقيق نتائج عملية وفعالة وملموسة في مواجهة ما يفرضه المناخ من تحديات.
وحتى يتمكن المجتمع الدولي من تحقيق مثل هذه النتائج ينبغي أولاً تجنب الانخراط في مجادلات عقيمة من شأنها أن تضعف من العمل المشترك ولا تحقق الهدف المنشود. ونود في هذا المجال أن نتطرق إلى بعض هذه القضايا الجدلية التي كثر الحديث عنها مؤخراً، والتي حسبما نعتقد لا تخدم هدف التصدي المشترك لمشاكل المناخ بقدر ما قد تضعف من أي تكتل دولي مطلوب من شأنه أن يشكل جبهة موحدة قادرة على تحقيق نتائج مرغوبة في هذا المجال.
أولى هذه القضايا الجدلية التي لا ينبغي أن تعرقل جهود هذا المؤتمر هو المنادة بالاستغناء عن مصادر الطاقة الأحفورية مثل النفط والغاز بدلاً من الاتفاق على تخفيض الاعتماد على هذه المصادر بشكل تدريجي. عملياً فإن الاستغناء عن مصادر الطاقة الأحفورية في المدى المنظور هو أمر غير واقعي، حيث ستظل هذه المصادر تشكل أهم مصادر الطاقة للعالم لفترة طويلة من الزمن. خاصة أن بدائل الطاقة الأخرى من طاقة شمسية وطاقة نووية والطاقة المستمدة من الرياح لا تشكل حتى الآن إلا نسبة قليلة من احتياجات العالم من مصادر الطاقة مقارنة بمصادر الطاقة الرئيسية المشتقة من البترول والغاز الطبيعي.
هناك بدون شك جهود واستثمارات كبيرة تبذل في مجال الطاقة المتجددة مثل الشمسية والرياح إلا أنه وإلى أن تصبح مثل هذه المصادر كافية لحاجة البشرية فإن الاستغناء نهائياً عن مصادر الطاقة الأحفورية في المدى القصير والمتوسط لا يبدو ممكناً إن لم يكن مستحيلاً.
من القضايا الأخرى التي يثار الجدل حولها والتي هي أيضاً لا تمثل حجة يعتد بها ترتبط بالتساؤل كيف لدولة نفطية أن تترأس مؤتمر المناخ بحجة أن النفط هو المصدر الرئيسي لتلوث المناخ؟ في الواقع ولذا السبب بالذات فإن استعداد دولة نفطية للمشاركة واستضافة هذا المؤتمر يمثل موقفاً إيجابياً من هذه الدولة، حيث من ناحية يعبر عن اهتمامها وحرصها بكل ما يؤثر على المناخ، كما يعبر من ناحية أخرى وبشكل صريح عن استعدادها لاتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة للمشاركة في معالجة مشاكل المناخ بما فيها الموافقة على تخفيض الاعتماد التدريجي على مصادر الطاقة الأحفورية مثل النفط والغاز، وإن كان يمثل بالنسبة لهذه الدولة أهم مصادر الدخل والنمو والتنمية. وتمتد هذه الحجة إلى أن هذه الدولة تخطط للتوسع فى إنتاج البترول والغاز، حيث رصدت لهذا الغرض حوالي 1.5 مليار دولار.
أولاً ينبغي أن نتفهم بأن الاستثمارات في قطاع النفط والغاز هي حتى الآن أقل بكثير من المطلوب، لضمان توفر كميات كافية من النفط والغاز تتناسب مع حجم الطلب المتوقع. والاتجاه الحالي لأسعار النفط تؤكد أنه إذا لم يتم ضمان زيادة المعروض من النفط والغاز فإن الاتجاه التصاعدي لأسعار النفط من شأنه التأثير سلبياً على وضع الاقتصاد العالمي وعلى وضع المستهلك فى جميع دول العالم.
وتجدر الاشارة كذلك إلى أن ما رصدته دولة الإمارات لضمان توفير كميات كافية من النفط والغاز لا يمثل أكثر من نصف استثماراتها تقريباً في مجال مصادر الطاقة المتجددة والمقر بحوالي 300 بليون دولار.
لهذه الأسباب نعتقد أنه من غير المجدي إضاعة الوقت في مجادلات بيزنطية من شأنها شق الصف وإضعاف الجهود المطلوبة أصلاً لضمان الوصول لنتائج يتطلع إليها العالم على صعيد هذا المؤتمر. إن دولة الإمارات قد سعت وقامت بدور مهم وكبير فى الإعداد الجيد لهذا المؤتمر، كما حرصت على تهيئة الأرضية المناسبة لنجاح أعمال هذا الحدث. يبقى على الأطراف الأخرى أن تقوم بدور إيجابي مماثل إذا أردنا أن نجعل من هذه المناسبة فرصة تاريخية مميزة لتكتل دول العالم في مواجهة التغيرات المناخية.