رغم ضجيج الحرب الإيرانية وتصاعد وتيرة التضخم في الولايات المتحدة، تبدي أسواق المال الأمريكية صموداً لافتاً يتجاوز توقعات المحللين، فبينما كان الجمعة 27 مارس (آذار) يوماً "مظلماً على مؤشري "داو جونز" و"ناسداك" بدخولهما مرحلة التصحيح الفني، إلا أن الأسواق استعادت عافيتها، لتلامس مستويات تاريخية بحلول منتصف مايو (آيار) الجاري.

وفسر اقتصاديون هذا الارتفاع إلى عقلية سائدة بين المستثمرين تُعرف باسم "Taco"، وهي اختصار لجملة "Trump Always Chickens Out" أي "ترامب يتراجع دائماً". وتستند هذه النظرية إلى نمط متكرر في ولاية ترامب الثانية، حيث يطلق تهديدات راديكاليةـ سواء كانت تعريفات جمركية شاملة أو تصعيداً عسكرياً، ثم يتراجع عنها، أو يؤجل تنفيذها تحت وطأة ضغوط السوق.

تحذيرات من أزمة 2000 

وحذر المحلل "بول كيدروسكي" في تصريحات لصحيفة "غارديان" من أن هذا الزخم قد ينتهي بانهيار يشبه أزمة عام 2000. 
ومع اقتراب طرح شركات كبرى مثل OpenAI و SpaceX للاكتتابات، يخشى الخبراء من سحب السيولة من الأسهم الأخرى لتغطية هذه الاكتتابات، ما قد يؤدي إلى انفجار "فقاعة الذكاء الاصطناعي".

ودخلت الأسواق مرحلة "تاكو" الحالية، مُظهرةً مرونةً وسط سلسلة من إعلانات التعريفات الجمركية، ثم شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران. ولكن بمجرد إعلان ترامب وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، انتعشت الأسواق مجدداً، وحتى مع قول ترامب إن وقف إطلاق النار مع إيران "على وشك الانهيار"، لا تزال الأسواق في صعود مستمر.

تدخل حكومي لحل الأزمة

وأشار إسوار براساد، المسؤول السابق في صندوق النقد الدولي والخبير الاقتصادي في جامعة كورنيل، إلى أن ثقة المستثمرين في خضم الأزمة كانت موجودة قبل ترامب وظاهرة تاكو.

وقال براساد: "لدى المستثمرين الآن رؤية واضحة مفادها أنه في حال حدوث مشكلة كبيرة في النظام المالي، فإن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والحكومة الأمريكية سيتدخلان ولن يسمحا بتفاقم الوضع".

وعلى الرغم من انخفاض التضخم منذ بلوغه أعلى مستوى له في 40 عاماً عام 2022، لا يزال الأمريكيون يعانون من وطأة ارتفاع الأسعار. وفي خضم الحرب على إيران، بدأ التضخم بالارتفاع مجدداً وفي أبريل (نيسان)، ارتفع التضخم السنوي إلى 3.8%، بعد أن كان 2.4% في فبراير (شباط).

وأحدث دليل على ذلك جاء في تقرير صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والذي أظهر أنه رغم خفّض الأمريكيون ذو الدخل المنخفض استهلاكهم للوقود وسط الحرب الإيرانية، لم يغيّر الأمريكيون ذوو الدخل المرتفع استهلاكهم للوقود على الإطلاق.

وقال إد باستيان، الرئيس التنفيذي لشركة دلتا إيرلاينز، لقناة "سي إن بي سي" الشهر الماضي عند إعلان الشركة عن أرباحها الفصلية: "يواصل عملاؤنا، الذين يمثلون شريحة المستهلكين الأعلى، الاستثمار في السفر، فهو يمثل أولويتهم، ويرغبون في الحصول على هذه التجربة". وأشار إلى أن إيرادات دلتا من خدماتها المميزة قد تضاعفت خلال العام الماضي.

ورغم أن ازدهار سوق الأسهم قد أسعد فئة من الأمريكيين وشجعهم على الإنفاق، إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة تُظهر أن غالبية الأمريكيين غير راضين حالياً عن أداء ترامب في إدارة الاقتصاد، حيث قال 63% منهم إنهم يُحمّلون ترامب تحديداً مسؤولية ارتفاع أسعار البنزين مؤخراً.

وأثارت المبالغ الضخمة التي أنفقت على الذكاء الاصطناعي في فترة وجيزة مخاوف لدى من يعتقدون بوجود فقاعة ذكاء اصطناعي تدعم سوق الأسهم. وتجاوز الإنفاق على الذكاء الاصطناعي الإنفاق الاستهلاكي كنسبة من النمو الاقتصادي الأمريكي في النصف الأول من عام 2025.

ويقول بول كيدروسكي، المستثمر والباحث في معهد الاقتصاد الرقمي التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا،: "بشكل غريب، لدينا أكبر برنامج تحفيز للقطاع الخاص في تاريخ الولايات المتحدة، حيث ينفق القطاع الخاص بسخاءٍ بالغ على هذا الأمر تحديداً".

كما أن البيت الأبيض يدعم بقوة طفرة الذكاء الاصطناعي. فقد زعم كيفن وارش، الذي اختاره ترامب رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، أن الذكاء الاصطناعي هو "أهم موجة لتعزيز الإنتاجية". ومن المرجح أن يدعو وارش إلى خفض أسعار الفائدة فور توليه منصبه، مستغلًا نمو الذكاء الاصطناعي لدعم حجته، حتى مع ارتفاع التضخم.