أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الصحية العامة، إثر التفشي المتسارع لسلالة نادرة من فيروس "إيبولا" (سلالة بونديبوغيو - Bundibugyo) في جمهورية الكونغو الديمقراطية وانتقالها إلى جارتها أوغندا، وسط تحذيرات مقلقة من أن الفيروس ظل ينتشر لأسابيع أو ربما لأشهر دون اكتشافه، مما يهدد بكارثة صحية إقليمية تفوق التقديرات الرسمية المعلنة.
أرقام وإصابات متصاعدة
تشير البيانات الصادرة عن المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) ووزارة الصحة في الكونغو الديمقراطية إلى تسجيل نحو 350 حالة مشتبه في إصابتها بالفيروس، مع تأكيد ما لا يقل عن 10 حالات مخبرية، في حين ارتفعت حصيلة الوفيات لتتراوح بين 88 و91 وفاة حتى الآن.
وما يزيد من خطورة هذا التفشي هو تأكيد الفحوصات المخبرية أن السلالة المسببة للوباء هي سلالة "بونديبوغيو" النادرة، والتي تتراوح نسبة الفتك بها بين 25% و50%.
ويؤكد الخبراء عدم وجود أي لقاحات أو علاجات معتمدة حتى الآن لهذه السلالة المحددة؛ حيث إن اللقاحات الحالية (مثل لقاح Ervebo) مصممة خصيصاً لمكافحة سلالة "زائير" الأكثر شيوعاً، كما أن معظم اختبارات التشخيص السريع المستخدمة ميدانياً لا تستطيع الكشف عن هذه السلالة النادرة بفاعلية.
تمدد جغرافي وتحذيرات متصاعدة
امتدت رقعة الوباء لتتجاوز حدود جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث أعلنت أوغندا المجاورة عن تسجيل إصابتين مؤكدتين ووفاة واحدة لشخص عبر الحدود من الكونغو وتوفي لاحقاً في العاصمة كامبالا.
وفي هذا السياق، صرّح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، بأن الإصابات سُجلت بين أشخاص لا توجد روابط واضحة تجمع بينهم، مشيراً إلى وفاة أربعة من العاملين في مجال الرعاية الصحية في مستشفى واحد، مما يرجح انتقال الفيروس داخل البيئات العلاجية.
وأضاف تيدروس: "إن العدد الحقيقي للحالات قد يكون أكبر بكثير مما تم الإبلاغ عنه، ولا يزال من غير الواضح كيف تعرض المصابون أو المشتبه بهم للفيروس".
من جانبه، حذر الدكتور فينود بالاسوبرامانيام، عالم الفيروسات الجزيئية بجامعة موناش بماليزيا، من خطورة إصابة الكوادر الطبية قائلاً: "عندما تتأثر الكوادر الطبية، يصاب النظام الصحي نفسه بالضعف، وهو ما قد يؤدي إلى تسريع وتيرة تفشي الوباء".
لماذا تأخر اكتشاف الفيروس؟
تجمع الآراء التحليلية لخبراء الأوبئة على أن الفيروس بدأ بالانتشار منذ أسابيع عديدة قبل الإعلان الرسمي عنه.
وتعود بداية التفشي إلى مقاطعة "إيتوري" شرقي الكونغو الديمقراطية، حيث يُعتقد أن الحالة الأولى كانت لعامل رعاية صحية (59 عاماً) ظهرت عليه الأعراض في 24 أبريل (نيسان) الماضي وتوفي بعدها بثلاثة أيام، في حين لم تُخطر السلطات بالوباء إلا في 5 مايو (أيار) عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن حصد الفيروس أرواح نحو 50 شخصاً بالفعل.
وتُرجع الدكتورة "رينا ماكنتاير"، عالمة الأوبئة بجامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية، هذا التأخر لسببين رئيسيين:
- فترة الحضانة الطويلة للفيروس: تتراوح بين 2 إلى 21 يوماً، مما يتيح له الانتقال صامتاً.
- تداخل الأعراض وضغط الأوبئة الأخرى: تواجه الكوادر الطبية في المنطقة ضغطاً هائلاً بسبب تفشي الملاريا، والحصبة، وجدري القردة (Mpox)، مما يجعل تمييز الإيبولا في مراحله الأولى أمراً بالغ الصعوبة.
وتضيف الدكتورة سوزي وايلز، اختصاصية الأحياء الدقيقة بجامعة أوكلاند، أن النزاع المسلح المستمر في مقاطعة "إيتوري" ساهم بشكل مباشر في حركة النزوح المستمرة للسكان الباحثين عن الأمان، مما أدى لنشر الفيروس دون رصد، فضلاً عن أن استهداف المرافق الصحية من قبل المجموعات المسلحة يدفع المرضى لتجنب طلب الرعاية الطبية، مفضلين البقاء بين عائلاتهم مما يزيد من معدلات العدوى المنزلية.
قلق دولي وإجراءات عاجلة
أثارت التطورات الأخيرة قلقاً دولياً واسعاً، لا سيما بعد توارد تقارير تفيد بتعرض ما لا يقل عن ستة أمريكيين للفيروس في الكونغو الديمقراطية.
وأعلنت المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) دعمها لـ "الانسحاب الآمن لعدد صغير من الأمريكيين المتأثرين بشكل مباشر"، دون الإفصاح عن تفاصيل إضافية لحمايتهم، في حين رفعت الولايات المتحدة تحذير السفر إلى الكونغو الديمقراطية إلى الدرجة الرابعة (القصوى).
وعلى الصعيد الوقائي الإقليمي، سارعت الدول المجاورة لاتخاذ تدابير احترازية؛ حيث أعلنت رواندا تشديد إجراءات الفحص والرقابة على حدودها مع الكونغو، فيما أكدت نيجيريا أنها تراقب الوضع عن كثب.
ونصحت منظمة الصحة العالمية والاتحاد الإفريقي بضرورة تفعيل الفحص العابر للحدود، وزيادة كفاءة المراقبة المجتمعية.
وشدد الدكتور جان كاسيا، المدير العام لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا (Africa CDC)، على ضرورة التزام المواطنين بالإجراءات الوقائية الصارمة في ظل غياب اللقاحات، محذراً بشكل خاص من طقوس الجنائز التقليدية التي تتضمن غسل الموتى، والتي كانت سبباً رئيسياً لانتشار العدوى في الوباء التاريخي لعام 2014-2016 غربي إفريقيا الذي أودى بحياة أكثر من 11 ألف شخص.
ويبقى الأمل معقوداً حالياً على سرعة توفير وتوزيع أدوات التشخيص المتخصصة وتوسيع مراكز الفحص في الكونغو وأوغندا والدول المجاورة، كخطوة أولى وأكثر أهمية لتحديد الإصابات الخفيفة ومحاصرة الفيروس قبل خروجه التام عن السيطرة.