أظهرت البيانات الصادرة عن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي استقرار الرصيد الإجمالي القائم لسندات الخزانة المحلية عند مستوى 239 مليار درهم إماراتي، فيما سجل رصيد صكوك الدين الدولية القائمة 50 مليار درهم إماراتي بنهاية عام 2025، لتشكل هذه الأرقام المرتفعة المرتكز الأساسي لنجاح الاستراتيجية النقدية للدولة في إدارة السيولة وتطوير أسواق رأس المال.
وجاء الإعلان عن هذه المؤشرات المالية ليعكس الكفاءة العالية التي تعامل بها المصرف المركزي في ضبط المعروض النقدي وتوفير قنوات استثمارية آمنة وعميقة للبنوك والمؤسسات المالية العاملة في الدولة، مما ساهم بشكل مباشر في تعزيز مستويات الاستقرار المصرفي، ورفد الاقتصاد الوطني بمقومات نمو مستدامة وقادرة على مواكبة التحولات المالية العالمية.
وقد وظف المصرف المركزي هذه الإصدارات السيادية كأداة مالية رئيسية لبناء وتطوير منحنى عائد الدرهم الإماراتي وتوسيع فترات استحقاقه، حيث يمثل هذا المنحنى المرجعية التسعيرية الرسمية والخالية من المخاطر لكافة التسهيلات الائتمانية والمنتجات التمويلية في الأسواق المحلية.
ثقة رؤوس الأموال بالإمارات
وبموجب هذا الانتظام في الإصدارات، فقد باتت البنوك التجارية والشركات الاستثمارية تمتلك معايير دقيقة لتسعير قروض القطاع الخاص وحزم التمويل العقاري طويلة الأجل بدقة، الأمر الذي أدى إلى تقليص مخاطر تقلبات أسعار الفائدة، وتوفير بيئة مالية شفافة، زادت من جاذبية الأصول المقومة بالعملة المحلية وحفزت المستثمرين الدوليين على ضخ رؤوس أموالهم بثقة في القطاع المالي الإماراتي.
لماذا تجذب المناطق الحرة في أبوظبي ودبي الشركات الناشئة العالمية؟ - موقع 24أكد اقتصاديون أن المناطق الحرة في الإمارات رسخت مكانتها خلال السنوات الأخيرة كمركز عالمي جاذب للشركات الناشئة، مدعومة ببنية تشريعية مرنة، وخدمات رقمية متطورة، وسهولة تأسيس الأعمال، إلى جانب المبادرات الحكومية الهادفة إلى دعم الاقتصاد الرقمي والابتكار.
وتكشف القراءة التحليلية لـ"24" لتوزيع هذه الأرصدة عن تطبيق استراتيجية تمويلية مزدوجة توازن بين السوقين المحلية والدولية، حيث يعكس حجم سندات الخزانة القائمة البالغ 239 مليار درهم القدرة الاستيعابية العالية للنظام المصرفي المحلي وقدرته على تلبية متطلبات الإصدارات الوطنية بالعملة المحلية، وهو ما أتاح للمصرف المركزي أداة مرنة للتحكم في السيولة اليومية وضبط معدلات التضخم لحماية القوة الشرائية.
تدفقات نقدية أجنبية
وعلى الجانب الآخر يمثل رصيد صكوك الدين الدولية البالغ 50 مليار درهم قناة جذب استراتيجية للتدفقات النقدية الأجنبية وصناديق التقاعد العالمية، مستفيدة من الجدارة الائتمانية الفائقة والدعم المالي القوي الذي تتمتع به دولة الإمارات، وتصنيفاتها السيادية المرتفعة والمستقرة من قبل وكالات التصنيف العالمية الكبرى.
ولم يتوقف هذا الزخم عند حدود العام الماضي، بل امتد بقوة إلى الربع الأول من عام 2026 الحالي، حيث أظهرت البيانات الرسمية الصادرة حديثاً تسجيل قفزة قياسية استهلت بها وزارة المالية بالتعاون مع المصرف المركزي العام الجديد عبر المزاد المشترك الأول في يناير(كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.1 مليار درهم، والذي استقطب طلبات اكتتاب هائلة من البنوك المحلية بلغت 5.15 مليار درهم بمعدل تغطية شارف على 4.7 أضعاف.
وتزامن مع هذا الزخم نشاط استثنائي في بورصة ناسداك دبي التي استقبلت 18 إدراجاً جديداً لأدوات الدخل الثابت بقيمة تجاوزت 8 مليارات دولار أمريكي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، لتساهم هذه الإدراجات الجديدة في رفع الرصيد التراكمي الإجمالي للسندات والصكوك القائمة والمدرجة في البورصة إلى مستوى تاريخي بلغ 149 مليار دولار أمريكي، تتوزع بين 105 مليارات دولار للصكوك الإسلامية و44 مليار دولار للسندات التقليدية.
وعلى صعيد التقييم الدولي، انعكس هذا النشاط القياسي المستمر في سوق السندات والصكوك إيجاباً على تقارير وكالات التصنيف الائتماني العالمية التي أكدت نظرتها المستقبلية المستقرة للاقتصاد الإماراتي، معتبرة أن هذا النظام الهيكلي المتقدم لإدارة الدين يقلل من تداعيات الصدمات الخارجية ويدعم المرونة المالية للحكومة، لاسيما وأن هذه الإصدارات تركز كلياً على أغراض تطويرية وبناء أسواق رأس المال وليس لتمويل عجز في الميزانية العامة.
وساهم هذا الزخم في خفض كلفة الاقتراض الإجمالية للحكومة والشركات الكبرى ومؤسسات القطاع الخاص التي استفادت من التقييم المرجعي الممتاز المتاح عبر منحنى العائد، إلى جانب تنشيط حركة الأسواق المالية الثانوية عبر توفير سيولة عالية وقابلة للتداول بيسر وسهولة، مما رسخ مكانة الدولة كمركز عالمي للاقتصاد الإسلامي بفضل التنوع بين السندات التقليدية والصكوك المتوافقة مع الشريعة.
وفي سياق متصل، توقع خبراء المال والاقتصاد أن تشهد أسواق الدين المحلية طفرة جديدة وزخماً لافتاً في فترات الاستحقاق الطويلة خلال الفترة المتبقية من عام 2026، مع السعي المتواصل لتوسيع نطاق المشترين من الصناديق السيادية الإقليمية والدولية وصناديق التقاعد.
ويرى الخبراء أن هذا التأسيس المتين لمنحنى العائد سيمهد الطريق أمام موجة جديدة من الإصدارات المؤسسية لشركات القطاع الخاص الكبرى والشركات العائلية التي ستجد في السوق المحلية بديلاً تمويلياً مثالياً وأقل كلفة مقارنة بأسواق القروض البنكية التقليدية.
الدرهم الإماراتي عملة استثمارية
وتتجه توقعات الأوساط المالية أيضاً إلى أن المصرف المركزي سيواصل ابتكار أدوات مالية جديدة وإدراج المزيد من فئات الأصول المتوافقة مع معايير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية لتلبية الطلب العالمي المتنامي على التمويل الأخضر، مما يضع الإمارات في صدارة الوجهات الاستثمارية القادرة على مواكبة التحولات الكبرى في هيكلية الاقتصاد العالمي والاستمرار في حصد أعلى التقييمات الائتمانية من الوكالات الدولية السيادية.
الإمارات.. إطلاق "ماستركارد لايتهاوس" لدعم شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية - موقع 24أعلن مكتب الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، بالتعاون مع "ماستركارد العالمية"، إطلاق برنامج "ماستركارد لايتهاوس" في الإمارات، بهدف دعم الشركات الناشئة، وتمكينها من توظيف حلول الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات المالية، وتعزيز الابتكار في القطاع المالي.
وبناءً على هذه المعطيات الاقتصادية والبيانات المحدثة، يتضح أن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي نجح في توظيف أدوات الدين السيادية لتحويل التحديات المالية العالمية إلى فرص حقيقية، واضعاً أسساً متينة لمستقبل مالي أكثر مرونة وقوة، وهو ما يثبت أن الدرهم الإماراتي تحول من مجرد عملة تبادل محلي إلى عملة استثمارية تحظى بثقة واسعة في الأوساط المالية الدولية، ويمهد الطريق نحو عقود قادمة من الازدهار المالي والريادة الشاملة التي تطمح الدولة إلى تحقيقها في مختلف المجالات الاقتصادية والاستثمارية العالمية.