بين فوضى التوترات السياسية ونذر الانهيار الكبير، دخلت أسواق النفط العالمية منذ مطلع العام الجاري 2026 في نفق من التقلبات العنيفة، التي أعادت إلى الأذهان صدمات الطاقة الكبرى التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي.
وخلال الأشهر الماضية من العام الجاري، قفزت أسعار خام برنت القياسي من مستويات 61 دولاراً للبرميل لتندفع في موجات صعود قياسية متتالية تجاوزت حاجز الـ 100 دولار وصولاً إلى ذروة تاريخية لامست 128 دولاراً للبرميل، قبل أن تستقر مؤخراً وتتراوح بين 89–95 دولاراً للبرميل وسط ترقب مستمر لما ستسفر عنه التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين أمريكا وإيران.
وتشير الوقائع الميدانية بوضوح إلى أن هذه الارتفاعات القياسية لم تكن مجرد رد فعل نفسي مؤقت على التوترات السياسية، بل جاءت انعكاساً لصدمة حقيقية وعميقة في أساسيات المعروض النفطي وسلاسل الإمداد العالمية عقب وقوع اشتباكات عسكرية مباشرة قرب المضيق الذي يعبر منه نحو 20% من إجمالي استهلاك الطاقة العالمي.
أسعار النفط تقفز بعد إعلان إيران استهداف قاعدة جوية أمريكية - موقع 24قفزت أسعار النفط بأكثر من 3%، اليوم الخميس، بعد أن أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف قاعدة جوية أمريكية، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز".
أسوأ تعطل لتدفقات النفط الخام
وأسهم هذا الوضع في تراجع إمدادات النفط بمقدار 14.4 مليون برميل يومياً دون مستويات ما قبل الأزمة، في واحدة من أسوأ تعطل لتدفقات النفط الخام في التاريخ الحديث.
وفي خضم هذا التموج الحاد، ينقسم خبراء ومؤسسات الطاقة حول المآلات المستقبليّة للسوق، حيث ترى إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن هذه الصدمة ظرفية ومؤقتة في طبيعتها متوقعة انخفاضاً حاداً في المخزون العالمي بمعدل 8.5 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من عام 2026، مما سيبقي الأسعار مرتفعة لفترة وجيزة قبل أن تنفرج الأزمة وتتراجع الأسعار إلى 89 دولاراً ، ثم الهبوط نحو 79 دولاراً في عام 2027.
وعلى النقيض من هذا التفاؤل، تبدو المصارف الاستثمارية الكبرى أكثر تحوطاً وقلقاً من استمرار "علاوة المخاطر الدائمة" في تسعير البرميل، حيث رفع بنك "غولدمان ساكس" توقعاته لمتوسط سعر خام برنت إلى 85 دولاراً، بينما ذهبت تقديرات "بنك باركليز" إلى تحديد مستهدف سنوي يبلغ 100 دولار لعام 2026 مع التأكيد على أن المخاطر تظل مائلة بشدة نحو الارتفاع.
تقرير يتوقع انخفاض الإنفاق على مشاريع النفط في 2026 - موقع 24تتجه الاستثمارات العالمية في مشاريع النفط إلى التراجع للعام الثالث على التوالي، في تحول يعكس إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية بعد الاضطرابات الحادة التي تسببت بها الحرب في الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق هرمز، بحسب تقرير "الاستثمار العالمي في الطاقة"، الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة، ونقلته ...
من جانبه حذر مصرف "جي بي مورغان" من سيناريوهات قاتمة قد تقفز بالأسعار سريعاً إلى حاجز 130 دولاراً للبرميل في حال توسع رقعة المواجهة العسكرية لتشمل منشآت إنتاجية حيوية.
وتتأثر حركة الأسواق اليوم بمتغيرات بنيوية معقدة، حيث يمتلك تحالف "أوبك+" طاقة إنتاجية فائضة تُقدر بـ 5.3 ملايين برميل يومياً، وتلعب هذه الطاقة دور صمام الأمان الوحيد الذي كبح جماح الأسعار ومنع انفجارها فوق مستوى 150 دولاراً.
لكن في المقابل، فإن الارتفاع المستمر في التكاليف تسبب في ظاهرة تدمير الطلب العالمي على الوقود لا سيما في الأسواق الآسيوية الكبرى كالصين والهند، مما أدى إلى انكماش استهلاك المصانع وقطاعات النقل بنحو 2.45 مليون برميل يومياً.
إيران تستخدم "شبكة سرية" لاستمرار تدفق النفط إلى الصين - موقع 24كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن شبكة بحرية سرية تواصل نقل النفط الإيراني إلى الصين رغم العقوبات الأمريكية، عبر ناقلات قديمة وعمليات تمويه معقدة، تشمل نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى قبالة السواحل الماليزية.
تضخم يرفع سعر الفائدة
ولا تكمن الخطورة الحقيقية لهذه الأزمة الهيكلية في القيمة السعرية لبرميل النفط فقط، بل في الأثر المتتابع والعميق الذي يهدد بهز ركائز الاقتصاد العالمي بالكامل، حيث إن بقاء أسعار الطاقة فوق مستويات 90 دولاراً يعيد إشعال طاقة التضخم العالمي ويوجه ضربة قاسية لجهود التهدئة النقدية، الأمر الذي يجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية الكبرى على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترات أطول مما كان متوقعاً، وهو ما يتسبب في خنق وتيرة النمو الاقتصادي ويزيد من احتمالات انزلاق العالم نحو ركود تضخمي قوي.
ويمتد هذا التأثير السلبي مباشرة إلى قطاع التكرير وسلاسل التوريد اللوجستية، حيث تسبب شح كميات النفط الخام المتاحة في إجبار المصافي العالمية على خفض إنتاجها بمقدار 4.5 ملايين برميل يومياً، مما تسبب في قفزات حادة بأسعار المشتقات النفطية النهائية مثل الديزل ووقود الطائرات لتباع بعلاوات سعرية قياسية، وهو ما ينعكس بشكل فوري على تكاليف الشحن البحري والجوي الدوليين، ويقود بالتالي إلى موجة غلاء جديدة تطال أسعار السلع الغذائية الأساسية والمواد الاستهلاكية في مختلف أنحاء العالم.
وتأسيساً على هذا المشهد المتشابك، يمكن القول إن أسواق السلع الأساسية لم تعد تواجه مجرد رد فعل سياسي مؤقت سينتهي بانتهاء الحدث، بل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من إعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية لممرات الطاقة، حيث تقف الأسواق على حافة رفيعة تفصل بين قوى المخاطر الأمنية وشح الإمدادات التي تدفع الأسعار نحو الأعلى، وقوى الركود الاقتصادي وتراجع الاستهلاك التي تسحبها نحو الأسفل، مما يتطلب من الدول المستوردة للطاقة التوقف عن مراقبة الأسعار والبدء فوراً في بناء استراتيجيات تحوطية صارمة تشمل تنويع مصادر التوريد وتسريع خطط كفاءة الطاقة لتجنب هزات مالية أعمق قد تعصف باستقرارها المحلي.