لم يقتصر أثر مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP28)، الذي استضافته دولة الإمارات في نهاية العام 2023، على إطلاق التعهدات وإبرام الاتفاقيات الدولية، بل تحوّل إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من العمل المناخي القائم على التنفيذ الفعلي.
فبعد مرور أكثر من عامين على انعقاد المؤتمر، تتجسّد مخرجات "اتفاق الإمارات" في سلسلة من المبادرات والمشروعات الوطنية التي تستهدف بناء اقتصاد أكثر استدامة وخفض الانبعاثات وتعزيز مبادئ الاقتصاد الدائري.
وتؤكد الإمارات، عبر هذه المشاريع، أن العمل المناخي لم يعد مجرد التزام دولي، بل أصبح جزءاً من استراتيجية تنموية طويلة الأمد تجمع بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وتعزيز الابتكار.
مبادرة "نسيج" لإعادة تدوير المنسوجات
يبرز قطاع المنسوجات كأحد النماذج العملية لترجمة مخرجات COP28 إلى واقع ملموس، من خلال إطلاق المبادرة الوطنية "نسيج"، التي انطلقت تحت مظلة مكتب المشاريع الوطنية التابع لديوان الرئاسة.
وتهدف المبادرة إلى معالجة نحو 220 ألف طن سنوياً من مخلفات المنسوجات في الدولة، عبر إنشاء منظومة وطنية متكاملة لفرز وإعادة تدوير الزي الموحد والمنسوجات المستخدمة في الجهات الحكومية والخاصة، وتحويلها إلى مواد خام تدخل في صناعات جديدة.
ولا تقتصر أهداف "نسيج" على الحد من النفايات فحسب، بل تسعى إلى تحويل قطاع المنسوجات من نموذج استهلاكي تقليدي إلى منظومة اقتصادية دائرية مستدامة، بما يعزز مكانة الإمارات كمركز عالمي في هذا المجال.
وفي إطار نشر ثقافة الاستهلاك الواعي، تستضيف أبوظبي فعالية "نسيج الفرص" خلال الفترة من 5 إلى 7 يونيو (حزيران) 2026 في ياس مول بأبوظبي، بهدف تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية إعادة الاستخدام وإعادة التدوير.
بتوجيهات محمد بن زايد.. إطلاق مبادرة "نسيج" لتحويل قطاع المنسوجات إلى منظومة اقتصادية دائرية - موقع 24تنفيذاً لتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، أُطلقت المبادرة الوطنية لإعادة تدوير المنسوجات "نسيج" بوصفها توجهاً إستراتيجياً يسهم في دعم انتقال قطاع المنسوجات إلى منظومة اقتصادية دائرية تتميز بالاستدامة، وتعزز الحفاظ على الموارد.
الاقتصاد الدائري.. من السياسات إلى التطبيق
بالتوازي مع المبادرات القطاعية، سرّعت الإمارات وتيرة تطبيق سياسة الاقتصاد الدائري 2031، التي تمثل أحد الأطر التشريعية الرئيسية لتحقيق مستهدفات الاستدامة الوطنية.
وتركز السياسة على الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية وتحسين كفاءة استخدامها في قطاعات حيوية تشمل التصنيع والبنية التحتية والنقل، مع تشجيع القطاع الخاص ورواد الأعمال على تطوير نماذج أعمال مبتكرة قائمة على مبادئ الاقتصاد الدائري.
كما تدعم هذه السياسة التوسع في تطبيق معايير البناء الأخضر وحلول النقل المستدام، بما يسهم في تقليل البصمة الكربونية وتعزيز كفاءة استهلاك الموارد على مستوى الدولة.
"أدنوك" وخفض انبعاثات قطاع الطاقة
في قطاع الطاقة، تواصل شركة أدنوك تنفيذ خطط طموحة لخفض الانبعاثات الكربونية وتسريع الوصول إلى الحياد المناخي.
وأعلنت الشركة تقديم موعد تحقيق الحياد المناخي إلى عام 2045 بدلاً من 2050، إلى جانب استهداف الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية لغاز الميثان بحلول عام 2030، في خطوة تعكس التزامها بتسريع التحول نحو الطاقة منخفضة الكربون.
وتتصدر مشاريع التقاط الكربون وتخزينه قائمة المبادرات التي تنفذها الشركة، وفي مقدمتها مشروع "حبشان"، ومشروع "الريادة"، الذي يشكل أحد أكبر مشاريع احتجاز الكربون في المنطقة، مع خطط لرفع القدرة الاستيعابية لالتقاط الكربون إلى 10 ملايين طن سنوياً بحلول عام 2030.
كما تواصل "أدنوك" توسيع استثماراتها في إنتاج الهيدروجين الأخضر والأزرق، وتطوير حلول الوقود منخفض الانبعاثات، فضلاً عن اعتماد الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة الشمسية والنووية النظيفة لتشغيل شبكتها البرية.
"تدوير".. تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي
وفي مجال إدارة النفايات، تقود مجموعة "تدوير" جهود تطوير البنية التحتية اللازمة لدعم الاقتصاد الدائري وتعزيز الاستفادة من الموارد القابلة لإعادة التدوير.
وتركز المجموعة على إنشاء منظومات متطورة لفرز النفايات من المصدر وتحويلها إلى مواد خام صناعية أو إلى طاقة كهربائية متجددة، بما يسهم في تقليص الاعتماد على المكبات التقليدية والحد من انبعاثات غاز الميثان.
كما تعمل "تدوير" على بناء شراكات مع قطاعات التجزئة والأزياء والمؤسسات الأكاديمية والمعرفية، بهدف تطوير دورة اقتصادية متكاملة للمواد المعاد تدويرها وتعزيز الاستفادة منها في مختلف القطاعات الإنتاجية.
حلول طبيعية وتمويل أخضر
ولا تقتصر جهود الإمارات على القطاعات الصناعية فقط، إذ تشهد الدولة توسعاً في مشاريع التشجير الذكي وزراعة أشجار القرم (المانغروف) باستخدام الطائرات المسيرة، باعتبارها من الحلول الطبيعية الفعالة لامتصاص الكربون وتعزيز التنوع البيئي.
وفي الوقت نفسه، يجري توظيف أدوات التمويل الأخضر لدعم التحول المناخي، من خلال ALTÉRRA، وهي شركة انبثقت من رؤية مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين (COP28)، وتعد أكبر صندوق استثماري خاص في مجال المناخ على مستوى العالم، حيث توجه استثمارات ضخمة نحو مشاريع الطاقة المتجددة والتقنيات المناخية داخل الإمارات وخارجها.
الإمارات للبيئة تغرس 1200 شجرة منغروف في يوم الأرض - موقع 24غرست مجموعة عمل الإمارات للبيئة، بالتعاون مع بلدية أم القيوين، اليوم الثلاثاء احتفاءً بيوم الأرض، 1200 شجرة مانغروف على شاطئ المانغروف في الإمارة، بمشاركة عدد كبير من المتطوعين والجهات المعنية بالشأن البيئي، وذلك ضمن برنامجها الوطني المستمر لغرس الأشجار تحت شعار "من أجل إماراتنا نزرع".
وتعكس هذه المبادرات مجتمعة التحول الذي شهدته الإمارات بعد استضافة COP28، حيث انتقلت من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ العملي للمشروعات المناخية، لتُقدّم للعالم نموذجاً لكيفية تحويل الاتفاقيات والتوصيات إلى برامج ومشاريع قابلة للقياس تسهم في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الاستدامة البيئية في آن واحد.