قالت صحيفة "ذا إيكونوميست" البريطانية، إن الصعود التكنولوجي السريع في الصين يترك أجزاء واسعة من البلاد في الخلف، مما يهدد بتعميق فجوة من عدم المساواة، في وقت تشهد فيه "تفاوت اقتصادي". 

وأوضحت الصحيفة أن رهان بكين على التصنيع المتقدم لم ينجح في انتشال المدن الداخلية من ركودها، حيث تفتقر هذه المناطق إلى المواهب وسلاسل التوريد اللازمة، مما أدى إلى تراجع اقتصادي وهجرة جماعية للشباب بحثاً عن فرص أفضل في المدن الساحلية الكبرى.

وبحسب "ذا إيكونوميست"، تُعد مدينة تيانشوي في مقاطعة قانسو الغربية مثالاً صارخاً على هذه الأزمة، فبينما تحولت إلى مركز تكنولوجي يضم مجمعات صناعية جديدة تقدم طاقة وأراضي رخيصة استجابة لخطط التجديد الحضري، لم ينعكس ذلك إيجاباً على سكانها. 

وأشارت المجلة إلى أن المصانع الآلية الحديثة لم تخلق وظائف كافية، مما أدى إلى انكماش عدد سكان المدينة بنحو نصف مليون نسمة خلال العقد الماضي ليصل إلى 2.9 مليون، في حين نما اقتصادها في عام 2025 بمعدل أبطأ بنقطتين مئويتين من المتوسط الوطني، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالعاصمة بكين.

إرث صناعي يتلاشى أمام الأتمتة

وأشارت المجلة إلى أن تيانشوي كانت في الستينيات ترساً مهماً في الاقتصاد المخطط للدولة، حيث وفرت مصانعها وظائف مستقرة ومضمونة للأجيال السابقة، لكن اليوم، تعتمد المصانع التكنولوجية الجديدة، التي تنتج أجهزة الاستشعار والأدوات الآلية، على الروبوتات بشكل أساسي.

وأوضحت أن الوظائف المتاحة تدفع أجوراً متدنية تبلغ نحو 3000 يوان (440 دولاراً) شهرياً، وهو نصف ما يمكن أن يجنيه العامل في مدينة كبرى مثل شنغهاي، ونقلت عن سكان محليين قولهم إن الشباب يضطرون للهجرة إلى المقاطعات الشرقية الغنية، مؤكدين أن "أفضل أيام المدينة أصبحت من الماضي".

تركز الثروة في المدن الساحلية

وأكدت "ذا إيكونوميست" أن الوظائف ذات الأجور المرتفعة بمجالات البحث والتطوير تتركز أساساً في المدن الساحلية الكبرى مثل بكين وشنغهاي وشنتشن، والتي تمتلك أفضل الجامعات وسلاسل التوريد، ونقلت عن دان وانغ، المحلل في مجموعة "أوراسيا"، قوله إن الغالبية العظمى من المدن الصينية الداخلية "عالقة بما لديها"، حيث يفتقر نحو 60% من القوى العاملة في الصين (حوالي 500 مليون شخص) إلى التعليم الثانوي، ويعيش معظمهم في مدن أصغر وأكثر فقراً، مما يحرمهم من الاستفادة من هذه الطفرة.

أزمات اقتصادية متراكمة

وإلى جانب فشلها في الاستفادة من النموذج الاقتصادي الجديد، أوضحت المجلة أن تيانشوي تعاني من أزمات النموذج القديم، وعلى رأسها أزمة العقارات، فقد انخفضت أسعار المنازل بشكل حاد، وتراجع الاستثمار العقاري بأكثر من 40% العام الماضي، مما أدى إلى تراجع مبيعات التجزئة بأكثر من 5% في عام 2025، تاركاً مراكز التسوق والمطاعم فارغة. 

وحذر لي شي، الأستاذ بجامعة تشجيانغ، في ورقة بحثية نُشرت في أبريل (نيسان)، من أن التباطؤ الاقتصادي يضرب الفقراء بشدة، حيث ارتفعت مداخيل الشريحة الأقل دخلاً بنسبة 2% فقط سنوياً بين عامي 2018 و2023.

الاستثمار في البشر وتحديات التمويل

وتختتم "ذا إيكونوميست" تقريرها بالإشارة إلى إدراك الحكومة الصينية بأن المصانع التكنولوجية ليست "علاجاً سحرياً"، ووفقاً لوكالة "شينخوا"، تراجعت عوائد الاستثمار في الأصول المادية، ودعت الخطة الخمسية الأخيرة، الصادرة في مارس (آذار) والممتدة حتى عام 2030، إلى "الاستثمار في البشر" لتحقيق مساواة اقتصادية، لكن الصحيفة ترى أن التنفيذ صعب، فميزانية تيانشوي أقل بكثير من المدن الغنية، حيث تنفق على الطالب أقل من ثلث ما تنفقه بكين، وتراجعت إيراداتها المالية بنحو 10% العام الماضي، مما يجعل المنافسة شبه مستحيلة ويترك الأجيال القادمة "محاصرة" في دائرة التراجع.