تأتي الشراكة الإماراتية الإيطالية في قطاع المجوهرات لتؤكد تحول أبوظبي من سوق إقليمية لتجارة المعادن النفيسة إلى مركز عالمي يُعيد رسم خريطة هذه الصناعة، مُستفيدةً من موقعها الاستراتيجي وبنيتها التجارية المتطورة، في ظل علاقة تقوم على التكامل بين الخبرة الإيطالية العريقة في تصميم وصناعة المجوهرات والمكانة اللوجستية للإمارات.
الإمارات ثاني أكبر مركز لتجارة الذهب في العالم بعد سويسرا
1.3 مليار يورو صادرات المجوهرات الإيطالية إلى الإمارات في 2025 بزيادة 12.6% عن العام السابق
توقعات بتخطي الطلب العالمي على المجوهرات الفاخرة 340 مليار دولار بحلول عام 2030
في مقابلة صحفية نهاية يونيو (حزيران) الماضي، يصف فاليريو سولداني، المفوض التجاري الإيطالي لدى دولة الإمارات، هذه الشراكة بـ "الاستراتيجية"، كاشفاً عن وصول قيمة الصادرات الإيطالية من المجوهرات إلى الإمارات لـ 194 مليون يورو خلال أول شهرين فقط من عام 2026، بنسبة زيادة 8% عن نفس الفترة من العام السابق.
1.3 مليار يورو صادرات المجوهرات الإيطالية إلى الإمارات
منذ عام 2004، تثبت الشركات الإيطالية ومن بينها "أرتكس" حضورها في "معرض الساعات والمجوهرات في الشرق الأوسط" بالشارقة. لكن عام 2014 يمثل نقطة تحول في العلاقات بين الجانبين، مع انطلاق التعاون المؤسسي بين "Italian Exhibition Group" وإمارة دبي لتنظيم فعاليات متخصصة في المجوهرات.
بينما يُرسخ معرض "JGTD"، المقرر في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مكانته سنوياً كمنصة رائدة في صناعة المجوهرات والأحجار الكريمة بين البلدين.

وبحسب وكالة التجارة الإيطالية، فقد سجلت صادرات المجوهرات الإيطالية إلى السوق الإماراتية أرقاماً قياسية خلال العام الماضي 2025، إذ بلغت 1.3 مليار يورو بزيادة 12.6% مقارنة بعام 2024، ما جعل المجوهرات أكبر بند تصديري إيطالي إلى الإمارات من حيث القيمة، متجاوزة العديد من القطاعات الصناعية التقليدية.
ولا يمكن فهم هذا النمو دون النظر إلى المكانة التي تحتلها الإمارات في تجارة الذهب العالمية، فوفق بيانات مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC)، فإنها ثاني أكبر مركز لتجارة الذهب في العالم منذ عام 2023 - بعد سويسرا - بعدما تجاوزت تجارة الذهب فيها 129 مليار دولار بنمو سنوي بلغ 36%، متفوقة على المملكة المتحدة.
ولا يقتصر ثقل السوق الإماراتية على تجارة الذهب الخام، بل يمتد إلى قطاع المجوهرات، فوفق تقديرات "Grand View Research" حقق إيرادات بلغت 4.869 مليارات دولار في عام 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى 7.646 مليارات دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6% خلال الفترة من 2026 إلى 2033.

الإمارات بوابة إقليمية لإعادة التصدير إلى الخليج
تؤكد الإحصاءات السابقة أن الإمارات لم تعد سوقاً محلية، بل أصبحت بوابة إقليمية لإعادة تصدير المجوهرات إلى دول الخليج، وشرق أفريقيا، وجنوب آسيا، وهو ما يفسر حرص الشركات الإيطالية على الاستثمار بشكل دائم داخل السوق الإماراتية.
وفق بيانات "Sky TG24"، فإن الإمارات تضم نحو 3 آلاف شركة إيطالية مسجلة في غرفة تجارة دبي، بينما تمثل دبي وحدها 46% من إجمالي الصادرات الإيطالية إلى منطقة الشرق المتوسط، وتعد المجوهرات القطاع الأول من حيث قيمة الصادرات الإيطالية إلى الإمارة.
وتعول روما على معارض المجوهرات في الإمارات، لتعزيز الروابط التجارية والثقافية الممتدة بين البلدين، لاسيما "معرض الشرق الأوسط للساعات والمجوهرات"، الذي أقيمت دورته "57" في يونيو (حزيران) الماضي، بمشاركة 34 شركة إيطالية تمثل أهم مراكز صناعة الذهب في فالينزا وفلورنسا ونابولي، منها: غارافيللي، وبييرو ميلانو، ولوكا كاراتي، وفيري فيرينزي، وبالو جيويلي.

لماذا يفضل الإماراتيون المجوهرات الإيطالية؟
في هذا السياق، يوضح فاليريو سولداني، أن المجوهرات الإيطالية "ليست مجرد منتج تجاري، بل تعكس إرثاً طويلاً من الإبداع والحرفية والاهتمام بالتفاصيل"، مؤكداً أن قوة المنتج الإيطالي تكمن في قدرته على الجمع بين تقاليد الصياغة التاريخية والابتكار التقني الحديث.

ولا يمكن تفسير الطلب الإماراتي المرتفع على المجوهرات الإيطالية دون فهم المكانة الثقافية للذهب في المجتمع الإماراتي، فالذهب لا يُنظر إليه باعتباره سلعة استهلاكية فحسب، بل يمثل وعاءً للادخار، ورمزاً للمكانة الاجتماعية، وجزءاً أصيلاً من المناسبات العائلية، ولا سيما حفلات الزواج والخطوبة والأعياد والهدايا الرسمية.

بجانب العوامل السابقة، حرصت الشركات الإيطالية على تطوير منتجات خاصة من المجوهرات تلائم الذوق الخليجي والإماراتي، إذ يشير تقرير نشرته منصة إيطالية متخصصة في مايو (أيار) 2025، إلى أن المجوهرات الإيطالية تستلهم عناصرها من الثقافة العربية، مثل الزخارف النباتية الإسلامية، والخط العربي، والأحجار الكريمة المفضلة في المنطقة، مع الحفاظ على الهوية الإيطالية في التصميم، لترسيخ "خصوصية المُنتج" لدى المُستهلك العربي.
كما أن الإيطاليين أدركوا مبكراً تفضيل المستهلك الخليجي لمشغولات الذهب عيار 22 قيراطاً إلى جانب الذهب عيار 18 المستخدم في المجوهرات الفاخرة، وهو ما انعكس على تصميمات الشركات المشاركة في معارض الشارقة ودبي.

علاوة على ذلك، تشير تصريحات المسؤولين الإيطاليين إلى أن الرهان على الإمارات يقوم على 5 عوامل رئيسية تتمثل في:
- قوة الطلب المحلي على المجوهرات الفاخرة.
- ارتفاع القدرة الشرائية للمواطنين والمقيمين والسياح.
- مكانة دبي كمركز عالمي لإعادة التصدير.
- سهولة الوصول إلى أسواق الخليج وأفريقيا وآسيا منها.
- تقدير المستهلك الإماراتي للجودة والتصميم.
وتشير توقعات إلى أن الطلب العالمي على المجوهرات الفاخرة سيتخطى 340 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعاً بالأسواق الناشئة، والمستهلكين ذوي التوجه الاستثماري، والتقدم التكنولوجي في التصميم والتصنيع.