مع إطلاق صافرة البداية لمونديال 2026، تفجرت خلف الكواليس أزمة موازية غير متوقعة؛ ففي مساء الافتتاح، وتحديداً عند الدقيقة 25 من مواجهة التشيك وكوريا الجنوبية، تمزق قميص لاعب الوسط التشيكي بافل شولتش. لم تكن تلك الحادثة سوى الضحية الأولى في سلسلة "أزمات المعدات" التي امتدت طوال شهرين، واضعةً عملاقي الماركات الرياضية، "بوما" بقمصانها و"نايكي" بأحذيتها، في قلب "عاصفة تسويقية".

يونيو (حزيران): 6 قمصان بوما تتمزق في 4 جولات فقط
بحسب ما وثقته منصة "فوتي هيدلاينز" المتخصصة، تكرر تمزق قمصان بوما 6 مرات خلال أول 4 جولات فقط من البطولة، طالت لاعبين من التشيك وباراغواي ومصر والمغرب.

فبعد ثماني دقائق فقط من انطلاق مباراة باراغواي وأميركا، تمزق قميص المدافع غوستافو غوميز بشكل كامل، فيما انشق قميص المصري مصطفى زيكو في خط أفقي مستقيم عبر منتصف الصدر خلال مباراة بلجيكا. وبلغت الأزمة ذروتها الإعلامية حين رفع لاعب الوسط المغربي نايل العيناوي قميصه الممزق مباشرة أمام الحكم خلال مباراة اسكتلندا، مطالباً بركلة جزاء دليلاً على شدة الاحتكاك الذي مزق النسيج.

وأوضحت شبكة "بي بي سي سبورت" أن السبب التقني يعود إلى تقنية "ألترا ويف" التي طورتها بوما لتقليل وزن القميص إلى 72 غراماً فقط، عبر نسيج بوليستر معاد تدويره بمرونة رباعية الاتجاهات.

وقالت الشركة في بيان رسمي إن هذه الأقمشة خضعت لأعوام من اختبارات التحمل، مضيفة أن "كرة القدم رياضة احتكاك عالٍ، وتتأثر الملابس عند تعرضها لقوة شديدة، لكن هذا لا يؤثر على أداء اللاعب". غير أن الأزمة تحولت سريعاً إلى مادة سخرية واسعة على منصات التواصل.

أواخر يونيو (حزيران): الأزمة تصل إلى الأدوار الإقصائية
لم تنتهِ المشكلة بانتهاء دور المجموعات. أكد "فوتي هيدلاينز" أن قميص المنتخب المغربي الاحتياطي تعرض للتمزق مجدداً بالطريقة ذاتها خلال مواجهة هولندا في دور الـ32، ما نفى فرضية أن الخلل كان مقتصراً على دفعة تصنيع أولى معيبة.

يوليو (تموز): نايكي تدخل الأزمة من باب مختلف تماماً
مع انطلاق الأدوار الحاسمة، ظهرت واقعة جديدة غيرت مسار النقاش بالكامل: خلال مباراة القمة بين البرتغال وإسبانيا، ظهر نجم تشيلسي بيدرو نيتو يركض بفجوة ضخمة في كعب حذائه الوردي من طراز "نايكي ميركوريال"، بحيث بدا الجورب واضحاً من الخلف. توقف اللعب فوراً واعتقد ملايين المشاهدين أن الحذاء "انفجر" بسبب عيب مصنعي، خاصة بعدما عاد نيتو للملعب بزوج جديد من الحذاء نذاته، لتُظهر الكاميرات الثقب ذاته من جديد.

لكن التفسير الفعلي، بحسب تحليلات نشرتها منصة "بولافيب"، لم يكن عيباً في التصنيع، وإنما تعديلاً متعمداً أجراه الطاقم الطبي بسبب معاناة نيتو من "تشوه هاغلوند"، وهو تضخم عظمي في كعب القدم يصطدم بالهيكل البلاستيكي الصلب داخل الحذاء الحديث ويسبب ألماً حاداً أثناء الجري السريع. وأوضحت التحليلات ذاتها أن نيتو ليس الأول الذي يلجأ لهذا الحل؛ فقد سبقه لاعبون مثل فيليب كوتينيو وماتس هوميلز بقص كعب أحذيتهم لأسباب طبية مشابهة، تماماً كما اعتاد لاعبون آخرون مثل جود بيلينغهام على قص ثقوب دائرية في جواربهم لتخفيف الضغط عن عضلات الساق.

أحذية ممزقة في المونديال تهوي بأسهم شركتي "نايكي" و"أديداس" - موقع 24سلطت صحيفة ذا أثلتيك البريطانية الضوء على ظاهرة غريبة في الأوساط الكروية، حيث ظهر العديد من نجوم كأس العالم 2026 بأحذية ممزقة من الخلف، ما أثار تساؤلات عديدة عن كونها موضة جديدة أم خللاً تصنيعياً؟.

وتزامنت هذه الواقعة مع مأزق تسويقي منفصل تماماً: أطلقت نايكي وأديداس وبوما جميعها أحذية بلون وردي فاقع هذا الموسم، استناداً لأبحاث سوقية تؤكد أنه اللون الأكثر تبايناً على العشب الأخضر. لكن هذا التوحد اللوني أدى، وفق تقارير نشرت عبر "لينكد إن"، إلى ما وُصف بـ"فخ تسويقي عكسي"، إذ ارتدى قرابة 70% من اللاعبين اللون ذاته تقريباً، فتلاشت الهوية البصرية المميزة لكل علامة تجارية، وبدا حذاء نيتو المقصود شبيهاً بأي حذاء منافس من مسافة بعيدة.

كم يكلف هذا اقتصادياً؟
التاريخ القريب يقدم مقياساً واضحاً لحجم الأضرار المحتملة. ففي 2019، حين تمزق حذاء لاعب كرة السلة الجامعية زايون ويليامسون على الهواء مباشرة، انخفضت أسهم نايكي بنسبة 1.7% في اليوم التالي مباشرة، وفق ما نقلته وكالة "بلومبرغ" ومجلة "تايم"، ما محا نحو 1.1 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال 24 ساعة فقط.

ويوضح تقرير "بي بي سي" أن القمصان الأصلية التي يشتريها المشجعون بأسعار مرتفعة تُصنع من الخامات ذاتها التي يرتديها اللاعبون، وحين يرى المستهلك ضعف الجودة على الشاشة، يتراجع الطلب على الشراء، ما يراكم مخزوناً غير مباع لدى الموزعين ويجبر الشركات على خصومات سعرية تضر بهامش الربح.

وتتحمل الشركات المتضررة أيضاً تكاليف غير مرئية للجمهور: فحص هندسي في مختبرات التصنيع لتحديد سبب الخلل بدقة، وتعويضات غير معلنة للأندية والاتحادات المتضررة للحفاظ على عقود الرعاية القائمة. ومع ذلك، يرى خبراء اقتصاديون استشهدت بهم دراسات "هارفارد بيزنس ريفيو" ومجموعة "إن بي دي" لأبحاث السوق أن هذا النوع من الأزمات نادراً ما يهدد الشركات الكبرى على المدى الطويل، بفضل حصصها السوقية المهيمنة التي تتخطى 90% في بعض القطاعات، شريطة أن تُظهر الشركة شفافية وسرعة استجابة في معالجة العيب.