قبل سنوات، كان التعرف إلى مدينة جديدة يبدأ بعد الهبوط في مطارها، أما اليوم فبات بإمكانك بدء الرحلة من شاشة الهاتف. فمن خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي والخرائط التفاعلية والجولات الافتراضية، يستطيع المستخدم استكشاف الشوارع والأحياء والمعالم من منزله، قبل أن يحجز تذكرة السفر أو حتى يقرر تغيير وجهته.

منصات تنقل العالم إلى شاشتك

وتتنوع المنصات التي تتيح استكشاف المدن افتراضياً، إذ تقدم كل منها تجربة مختلفة تجمع بين الخرائط والبث المباشر وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن أبرزها:

  • منصة "درايف آند ليستن": أطلقها المهندس التركي إركام شكر عام 2020، وتتيح قيادة افتراضية في أكثر من 100 مدينة مع الاستماع إلى محطات الإذاعة المحلية.
  • منصة "فيرتشوال فاكيشن": توفر أربعة أنماط للاستكشاف تشمل المشي والقيادة والطيران والبث المباشر عبر أكثر من 100 مدينة.
  • منصة "سيتي ووكس": تقدم جولات سير افتراضية في مدن مثل أثينا وطوكيو وكيب تاون.
  • منصة "سيتي ووك AI": تتيح استكشاف 430 مدينة في 74 دولة عبر دمج فيديوهات الشوارع والإذاعات المحلية والخرائط التفاعلية.
  • منصة "واندر": تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء مسارات مشي مخصصة في نيويورك مع تعليق صوتي تفاعلي، وتتوفر حالياً بنسخة تجريبية على نظام iOS.

دول عربية تتسابق في السياحة الذكية

دخلت عدة دول عربية سباق توظيف الذكاء الاصطناعي في السياحة، ففي الإمارات، دشنت دبي "منصة التوأم الرقمي"، التي تتيح نسخة افتراضية متكاملة للإمارة. وتضم أكثر من 280 ألف أصل من البنية التحتية، وأكثر من 330 ألف مرفق وأصل عام، إلى جانب أكثر من 1500 طبقة من البيانات الجغرافية وأكثر من 100 تطبيق ثنائي وثلاثي الأبعاد.

ورغم أن المنصة تستهدف حالياً دعم التخطيط الحضري وإدارة الأصول، فإنها توفر بنية رقمية متقدمة يمكن البناء عليها مستقبلاً لتطوير تجارب سياحية تفاعلية وخدمات مخصصة للزوار قبل وصولهم إلى الإمارة.

وفي قطر، أطلقت "متاحف قطر" جولات تفاعلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاستكشاف المتاحف والمواقع التراثية، عبر مرشد رقمي ينشئ مسارات مخصصة وفق اهتمامات الزائر، ضمن مبادرة طُورت بالشراكة مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وعلى المستوى الإقليمي، أوصت المنظمة العربية للسياحة بتأسيس لجنة عربية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، تتولى دعم الابتكار، وتأهيل الكفاءات، وبناء شراكات مع شركات التقنية، بما يعزز تنافسية قطاع السياحة العربي.

وقت أقل.. وكلفة أقل

لا تقتصر فوائد تطبيقات السفر بالذكاء الاصطناعي على تسهيل استكشاف الوجهات، بل تمتد إلى تقليل الوقت والكلفة. فقبل انتشار هذه الأدوات، كان المسافر الأمريكي يقضي في المتوسط نحو 18 ساعة في البحث والمقارنة وحجز رحلة واحدة.

وتشير بيانات منصة "Natouris" إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط وفر في المتوسط 340 دولاراً و7.2 ساعة لكل رحلة خلال عام 2025، استناداً إلى عينة محدودة.

وفي الإمارات، يستخدم بين 250 و350 ألف مسافر هذه الأدوات شهرياً، بينما تقدر "Cleartrip" إسهامها في خفض كلفة الرحلات بنسبة تتراوح بين 8 و15% وفق الوجهة ومرونة المواعيد. 

كما أظهرت بيانات "Skyscanner" أن 81% من مسافري الإمارات يثقون بالذكاء الاصطناعي عند التخطيط للسفر، مقابل 54% عالمياً، في حين كشف استطلاع "Klook" شمل 11 ألف مسافر أن 91% يستخدمون هذه الأدوات بدرجات متفاوتة أثناء التخطيط لرحلاتهم.

وتفيد "Expedia Group" بأن 53% من المسافرين يقبلون أن يقترح الذكاء الاصطناعي وجهات سفر، بينما يستخدم 42% هذه الأدوات أو يخططون لاستخدامها لمراقبة الأسعار، ويعتمد 40% عليها في إعداد برامج الرحلات، فيما أكد 48% أنها توفر الوقت وتساعد على اكتشاف وجهات جديدة.

هل التأثير إيجابي على السياحة؟

تميل الدراسات الأكاديمية الحديثة إلى اعتبار السياحة الافتراضية أداة مكملة للسفر الفعلي أكثر من كونها بديلاً عنه، وتشير دراسة نشرتها مجلة "Sustainability" إلى أن تقنيات الواقع الافتراضي قد تسهم في تقليل الأثر البيئي للسياحة عبر خفض الحاجة إلى التنقل الجوي والبري، فيما ترى أبحاث أخرى أنها تساعد على تخفيف الازدحام السياحي من خلال توزيع الزوار على مواسم ووجهات مختلفة، بما يقلل الضغط على البنية التحتية والمواقع التراثية الحساسة. 

وتواكب السوق هذا التوجه، إذ تقدر مؤسسة Grand View Research قيمة سوق السياحة الافتراضية بنحو 8.05 مليار دولار في 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى 30.54 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 24.9%.

في المقابل، تحذر دراسات أخرى من أن الاعتماد المفرط على الجولات الافتراضية قد يقلل الزيارات الفعلية لبعض الوجهات، خاصة الأقل شهرة، فضلاً عن مخاطر "هلوسات" الذكاء الاصطناعي التي قد تنتج معلومات أو توصيات غير دقيقة، لذلك يبقى الاستخدام الأمثل لهذه الأدوات باعتبارها وسيلة للمعاينة والتخطيط، لا بديلاً عن تجربة السفر نفسها.