تخيل أن وسيلة الأمان الأخيرة لمنع انقطاع الكهرباء عن مدينة كاملة، تصبح هي نفسها سبب إغراقها في ظلام تام. هذا السيناريو الغريب ليس مجرد فرضية نظرية، بل أصبح تحذيراً صادراً عن لجنة الخبراء الفنيين في بريطانيا، ووضعوه بشكل عاجل أمام وزيرة الطاقة الجديدة مياتا فاهنبوليه.

تعمل بطاريات تخزين الطاقة على الاحتفاظ بفائض الكهرباء الناتج عن محطات الطاقة الشمسية والرياح، ثم تعيد ضخه إلى الشبكة عند زيادة الطلب، ما يساعد على استقرار إمدادات الكهرباء ويحد من هدر الطاقة.
تُعد هذه البطاريات العصب الأساسي للتحول النظيف لأنها تُعوض غياب المحطات التقليدية التي تعمل باستمرار كالغاز والفحم.

ويكمن أصل المشكلة في آلية عمل بطاريات تخزين الطاقة التي تُبنى بملايين الجنيهات لتحقيق استقرار الشبكة؛ فعندما تُصدر هيئة إدارة الكهرباء إشارات تحذيرية حول نقص وشيك في الإمدادات نتيجة تراجع الرياح أو غياب الشمس، يندفع مشغلو هذه البطاريات لشحنها دفعة واحدة وفي وقت متزامن.

المفارقة أن الاندفاع الجماعي نحو الشحن، الذي يهدف إلى ضمان الوفاء بالعقود والاستفادة من القفزات السعرية، يتسبب عملياً في سحب هائل ومفاجئ للتيار الكهربائي، ما يضع البنية التحتية تحت إجهاد شديد يُهدد بإسقاط الشبكة كاملة ووقوع الأزمة ذاتها التي أُنشئت البطاريات لمنعها.

هدر الطاقة وأعباء الفواتير

تُكلف مشروعات الرياح والشمس المواطنين ثقلاً مالياً باهظاً بسبب غياب خطوط النقل الحديثة؛ إذ تُضطر هيئة إدارة الشبكة في بريطانيا لإيقاف التوربينات قسراً عند اشتداد الرياح، ثم سداد تعويضات ضخمة للمزارع عن الطاقة الضائعة.

وبلغت هذه التعويضات 900 مليون جنيه إسترليني في النصف الأول من 2026، متسببة في إهدار كهرباء تكفي لتشغيل جميع مراكز البيانات في البلاد. 

وتكمن الإشكالية في قيام الهيئة بتحميل هذه التكاليف، التي تصل إلى 1.5 مليار جنيه سنوياً وتتجه لنحو 10 مليارات بحلول 2030، مباشرة على فواتير المنازل والشركات تحت بند "رسوم موازنة الشبكة".

وبالتالي تسبب هذا العبء المالي المباشر في رفع ديون المستهلكين العاجزين عن السداد من 1.4 مليار جنيه قبل أربعة أعوام إلى 6 مليارات جنيه حالياً، وسط توقعات بملامستها 7 مليارات العام المقبل، ما دفع شركات التزويد للتحذير من عدم صلاحية المنظومة الحالية للاستمرار.

85% للصين.. سباق بطاريات تخزين الطاقة يضع واشنطن أمام تحدٍ جديد - موقع 24تعزز الصين هيمنتها على سوق بطاريات تخزين الطاقة عالمياً باستحواذها على 85% من القدرة العالمية لتصنيع خلايا البطاريات، فيما تسعى...

انفجار الاستثمارات العالمية

ورغم هذه التعقيدات التشغيلية، تشهد سوق البطاريات العالمية انفجاراً استثمارياً تقوده جهود إزالة الكربون والتوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ إذ تُقدر الدراسات التحليلية ارتفاع قيمة السوق من 140.4 مليار دولار في 2025 إلى 657.21 مليار دولار بحلول 2035، بمعدل نمو سنوي مركب 16.69%. 

كما تُشير بيانات "GlobalData" إلى أن سعة التخزين العالمية للبطاريات ستتضاعف ستة أضعاف بمعدل نمو سنوي 42% حتى 2030.

في الوقت ذاته، تستحوذ الصين والولايات المتحدة وحدهما على 74.6% من إجمالي سعة التخزين العالمية، بينما تسيطر منطقة آسيا والمحيط الهادئ على 47.10% من إيرادات السوق بفضل مراكز التصنيع الضخمة لشركات مثل "CATL" و"BYD" و"LG". 

في المقابل، تتوقع التقارير أن تسجل شمال أمريكا أعلى معدل نمو سنوي مركب بنسبة 17.81% حتى 2035 مستفيدة من الحوافز الحكومية للتصنيع المحلي.

ويتزامن هذا النمو مع تحول الاستثمارات نحو بطاريات أطول عمراً توفر أربع ساعات من التخزين بدلاً من ساعتين، بما يسمح بنقل فائض الطاقة الشمسية إلى ساعات الذروة، في وقت تتوسع فيه مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي في الاعتماد عليها لضمان استمرارية التشغيل وتخفيف الضغط على الشبكات.

أسواق "العمر الثاني"

على جانب آخر، تنمو سوق بطاريات "العمر الثاني" المعاد تدويرها من السيارات الكهربائية بشكل متسارع، إذ ترتفع قيمتها من 15.4 مليار دولار في 2025 إلى 17.2 مليار دولار هذا العام، لتصل إلى 46.9 مليار دولار بحلول 2035، كحل اقتصادي لموازنة أحمال المنازل والمصانع بكلفة أقل.

ويتزامن هذا النمو مع ضخ استثماري قياسي يبرزه تقرير وكالة الطاقة الدولية لعام 2026، بتجاوز استثمارات الطاقة النظيفة 2.2 تريليون دولار هذا العام، يُخصص 1.6 تريليون دولار منها لقطاع الكهرباء والشبكات.

وتقف شركات التكنولوجيا في مقدمة هذا التوجه لتأمين طاقة مستمرة لمراكز الذكاء الاصطناعي، بحصادها 40% من عقود شراء الطاقة النظيفة عالمياً. 

ورغم اتجاه المصادر المتجددة لتصبح المولد الأول للكهرباء هذا العام بنسبة 37% بحلول 2027، يظل نجاح هذا التحول مرهوناً بتطوير التخزين وتحديث قواعد تشغيل الشبكات لتفادي الانقطاع الشامل.