في ظاهرة تجمع بين ضغوط المعيشة وإغراء الاستهلاك، انتشرت في كوريا الجنوبية منصات تحاكي تجربة التسوق وطلب الطعام بكل تفاصيلها، لكن من دون عملية شراء حقيقية، فلا تُخصم أموال من حساب المستخدم، ولا يصل إليه أي منتج.
منصات تحاكي طلب الطعام والتسوق.. لا أموال تُخصم ولا منتجات تصل
وتقدم منصات "الدوبامين" للمستخدم تجربة تبدأ بتصفح السلع أو الوجبات، وتمر بإضافتها إلى السلة واختيار وسيلة الدفع، وتصل إلى متابعة طلب وهمي على الخريطة. وهي تستهدف الرغبة في الاختيار وإتمام الشراء، لكن من دون تحمل الفاتورة، في وقت تدفع فيه ضغوط الأسعار والعمل بعض الشباب إلى البحث عن متعة استهلاكية أقل كلفة.

طعام لن يصل
توضح صحيفة "كوريا جونغ أنغ ديلي" الكورية الجنوبية، أن موقع "FoodNeverArrives" يتيح تصفح الوجبات وقراءة التقييمات واختيار طريقة الدفع وتتبع عامل توصيل افتراضي، قبل أن يخبر المستخدم بقيمة الأموال والسعرات الحرارية التي وفرها بعد إتمام الطلب الوهمي.
وأطلقت مطورة كورية الموقع في أواخر آذار (مارس)، بعدما لاحظت أنها تطلب الطعام أحياناً 10 مرات أسبوعياً، وبحلول منتصف حزيران (يونيو)، كان نحو 30 ألف شخص يستخدمونه أسبوعياً، بينما تستعد لإطلاق نسخة للهواتف بخصائص تجعل التجربة أكثر شبهاً بتطبيقات التوصيل الحقيقية.
ولم تتوقف الفكرة عند الطعام، إذ ظهرت متاجر تبيع منتجات لا وجود لها، مثل "شريط يصلح الصداقات المكسورة"، وأدوات تحقق الأمنيات، وتسمح للمستخدم بوضعها في السلة وكتابة مراجعات عنها.
شراء الشعور
ترى أستاذة علم النفس في جامعة سيؤول الوطنية كواك كيوم جو، أن محاكاة الشراء قد تثير استجابة نفسية قريبة من المعاملة الحقيقية، وتوفر إشباعاً مؤقتاً من دون الندم الذي يلي الإنفاق.
وبحسب الصحيفة، لا يبحث بعض المستخدمين عن امتلاك السلعة نفسها بقدر ما يستمتعون بالاختيار وإضافة المنتجات إلى السلة والضغط على زر الطلب، وهي خطوات صممت المتاجر الإلكترونية الحقيقية لتشجيع تكرارها.
وعلى الرغم من الظاهرة إلا أنها لا تعني أن الكوريين توقفوا عن الشراء، فقد بلغت معاملات التسوق الإلكتروني 25 تريليون وون في أيار (مايو)، بزيادة 10.3% سنوياً، واستحوذت الهواتف المحمولة على 77.1% منها، بينما ارتفعت معاملات خدمات توصيل الطعام 10.2%.

جيوب تحت الضغط
تنتشر المتاجر الوهمية في وقت ارتفع فيه تضخم المستهلكين إلى 3.2% في حزيران (يونيو)، وهو أعلى مستوى خلال عامين ونصف العام، بينما زادت أسعار السلع والخدمات المرتبطة بالمعيشة اليومية 3.4%.
وتأتي هذه الظاهرة في وقت تبدو فيه سوق العمل أقل ترحيباً بالشباب، فبحسب بيانات هيئة الإحصاء الكورية، ارتفعت بطالة الشباب إلى 7% في حزيران (يونيو)، بزيادة 0.9 نقطة مئوية على أساس سنوي، بينما استقر معدل البطالة في البلاد عند 2.8%.
ولا تعني هذه الأرقام أن كل من يدخل متجراً وهمياً عاجز عن الشراء، لكنها تقدم خلفية اقتصادية تفسر جاذبية تجربة تمنح المستخدم بعض متعة التسوق من دون أن تترك أثراً في حسابه المصرفي.
وتوضح صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، إن هذه المنصات تلقى رواجاً بين شباب أكثر حرصاً على إنفاقهم، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة سوق العمل.
وترى أستاذة علم النفس الإعلامي باميلا روتليدج أن جانباً كبيراً من متعة الاستهلاك يرتبط بترقب التجربة، لا بامتلاك المنتج وحده، ما يسمح لهذه المنصات بتقديم شعور مؤقت بالإشباع من دون كلفة مالية.
ونشرت روتليدج الفكرة نفسها على موقعها الشخصي في 23 حزيران (يونيو)، موضحة أن منصات "الدوبامين" تفصل المشاعر المرتبطة بالاستهلاك عن المعاملة المالية.