بينما تتسابق الدول على تطوير السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية، يخوض الاتحاد الأوروبي معركة أقل ظهوراً، لكنها لا تقل أهمية، لتأمين المعادن الحرجة. إذ أصبحت هذه المواد محوراً للاستراتيجية الصناعية والأمنية للاتحاد الأوروبي، في ظل مساعيه إلى تقليص الاعتماد على الصين، التي تهيمن على جانب كبير من عمليات تكرير ومعالجة العديد من المعادن الاستراتيجية، وفق المفوضية الأوروبية.
ويصنف الاتحاد الأوروبي، 34 مادة ضمن قائمة "المواد الخام الحرجة"، بينها 17 مادة استراتيجية، نظراً لدورها المحوري في الصناعات الخضراء والرقمية والدفاعية، وارتفاع مخاطر انقطاع إمداداتها، وتشمل هذه المواد بحسب المفوضية الأوروبية.. الليثيوم والكوبالت والنيكل والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة، التي تدخل في إنتاج البطاريات والرقائق الإلكترونية والمحركات الكهربائية وتوربينات الرياح وأنظمة الدفاع.
سلاسل التوريد العالمية
ولا تكمن المشكلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي في ندرة هذه المعادن، بل في تركز إنتاجها أو معالجتها في عدد محدود من الدول، بحسب سعيد محمد خبير اقتصاد.
وفي هذا السياق، تُظهر بيانات المفوضية الأوروبية أن الصين تهيمن على عمليات تكرير ومعالجة العديد من المعادن الاستراتيجية، ما يمنحها موقعاً محورياً في سلاسل التوريد العالمية، ويجعل الصناعات الأوروبية أكثر عرضة لاضطرابات الإمدادات أو القيود التجارية.
قانون المواد الخام الحرجة
دفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى إقرار قانون المواد الخام الحرجة (Critical Raw Materials Act)، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2024، بهدف تعزيز قدرته على استخراج ومعالجة وإعادة تدوير المعادن الاستراتيجية، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد وتقليص الاعتماد على مورد واحد.
ويعد القانون وفقاً للمفوضية الأوروبية، أحد أبرز ركائز الاستراتيجية الصناعية الأوروبية لتعزيز الأمن الاقتصادي ودعم التحولين الأخضر والرقمي.
ويضع القانون أهدافاً واضحة بحلول 2030، تشمل استخراج ما لا يقل عن 10% من احتياجات الاتحاد من المواد الخام الاستراتيجية داخل دوله، ومعالجة 40% منها محلياً، وإعادة تدوير 25% من الاستهلاك السنوي، إضافة إلى عدم اعتماد الاتحاد على دولة واحدة في أكثر من 65% من واردات أي مادة خام استراتيجية، وفق المفوضية الأوروبية.

ويرى خبير الاقتصاد أن تحقيق هذه الأهداف سيعتمد على قدرة أوروبا على تسريع تنفيذ المشاريع الصناعية والاستثمار في قدرات التكرير والمعالجة، لأن إصدار التشريعات وحده لن يكون كافياً لتقليص الاعتماد على الخارج.
ولتحقيق هذه الأهداف، اعتمد الاتحاد الأوروبي مشاريع استراتيجية في مجالات التعدين والمعالجة وإعادة التدوير، مع منحها أولوية في إجراءات الترخيص والدعم، بهدف تعزيز إنتاج المعادن داخل أوروبا وتقليل الاعتماد على الواردات، وفق المفوضية الأوروبية.
ومن الأمثلة على ذلك مشروع Per Geijer في مدينة كيرونا شمال السويد، الذي أعلنت عنه شركة LKAB، ويُعد أكبر اكتشاف معروف للعناصر الأرضية النادرة في أوروبا، ويعوّل عليه الاتحاد الأوروبي لدعم سلاسل توريد المعادن المستخدمة في الصناعات الاستراتيجية، رغم أن دخوله مرحلة الإنتاج التجاري لا يزال يحتاج إلى سنوات من التطوير والتراخيص.
التكرير والمعالجة
نجاح هذه الخطط لن يتوقف على زيادة استخراج المعادن فقط، بحسب خبير الاقتصاد بل على بناء قدرات أوروبية في التكرير والمعالجة، وهي الحلقة التي ما تزال الصين تتفوق فيها عالمياً. وأضاف أن الاستثمار في هذه المراحل سيحدد مدى قدرة أوروبا على بناء سلسلة توريد متكاملة، بدلاً من الاكتفاء بتأمين المواد الخام وإرسالها إلى الخارج لمعالجتها.
بطء تنفيذ المشاريع
ورغم هذه الخطوات، خلص ديوان المحاسبة الأوروبي في تقريره لعام 2026 إلى أن الاتحاد لم يحقق حتى الآن النتائج المرجوة في تنويع واردات المعادن الحرجة، محذراً من أن بطء تنفيذ المشاريع، واستمرار الاعتماد على عدد محدود من الموردين، قد يؤخر تحقيق أهداف 2030.
ويشير سعيد محمد إلى أن المنافسة العالمية على المعادن الحرجة مرشحة للتصاعد مع تنامي الطلب على السيارات الكهربائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعات الدفاعية، ما يجعل تأمين الإمدادات عاملاً رئيسياً في تعزيز القدرة التنافسية للدول، وليس مجرد قضية مرتبطة بقطاع التعدين.