يبدو أن التحرك الأمريكي لشراء الين الياباني، لم يكن بهدف مساندة حليف يواجه انهيار عملته، إذا تُظهر تفاصيل العملية أن التدخل تم بطريقة تقلل حاجة اليابان إلى بيع سندات الخزانة الأمريكية، وتمنع انتقال اضطراب سوق الصرف إلى سوق الدين التي تمول الحكومة الأمريكية.
أول شراء أمريكي ياباني مشترك للين منذ 1998 يفتح ملف حماية سوق الدين الأمريكية
إينار تانغين لـ"24": واشنطن لا تدافع عن الين.. بل عن سوق سندات الخزانة
بيني كوك لـ"24": "FIMA" يمنح طوكيو الدولارات دون بيع مباشر للسندات
ونفذت الولايات المتحدة واليابان، الأسبوع الماضي، أول عملية مشتركة لشراء الين منذ الأزمة الآسيوية في 1998، بعدما هبطت العملة اليابانية إلى نحو 164 يناً للدولار، وهو أدنى مستوى في قرابة 40 عاماً.
وتشير بيانات بنك اليابان إلى أن طوكيو ربما أنفقت نحو 8.2 تريليون ين، تعادل 59 مليار دولار، في أحدث تدخلاتها، بينما كشفت واشنطن أن مشاركتها تضمنت بيع اليورو لشراء الين.
1.1 تريليون دولار في قلب الأزمة
وتكمن حساسية العملية في أن اليابان لا تزال أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية، بعدما بلغت الحيازات اليابانية 1.143 تريليون دولار في مايو (أيار) 2026، مقابل 1.210 تريليون دولار في أبريل (نيسان).
ولا تمثل تلك الحيازات محفظة الحكومة اليابانية وحدها، إذ تشمل استثمارات رسمية وخاصة، لكن الاحتياطيات الرسمية لطوكيو تضم بدورها نحو 929 مليار دولار من الأوراق المالية الأجنبية، ضمن أصول احتياطية بلغت 1.287 تريليون دولار بنهاية يونيو (حزيران).

واشنطن تحمي سوق الدين
ويقول إينار تانغين، الزميل الأول في مركز الابتكار في الحوكمة الدولية ورئيس "Asia Narratives"، لـ"24"، إن قلق واشنطن من بيع اليابان سندات أمريكية كان دافعاً كبيراً وراء التدخل، مضيفاً: "واشنطن لا تدافع عن الين، بل تدافع عن سوق سندات الخزانة الأمريكية".
ويرى أن اضطرار طوكيو إلى بيع جزء كبير من حيازاتها لتمويل تدخلات متكررة سيدفع أسعار السندات إلى الانخفاض والعوائد إلى الارتفاع، بما يزيد كلفة الاقتراض على حكومة أمريكية تواجه بالفعل أعباء دين وفوائد متصاعدة.
ويصف تانغين التدخل بأنه إجراء مؤقت "يشتري الوقت"، لكنه لا يعالج فقدان القدرة التنافسية، أو مشكلات اليابان المرتبطة بالإنتاجية والديموغرافيا وارتفاع الكلفة.
سيولة مقابل السندات
بعد العملية، دعا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الاحتياطي الفيدرالي إلى دراسة توسيع تسهيل إعادة الشراء للسلطات النقدية الأجنبية "FIMA"، الذي يسمح للجهات المؤهلة بالحصول على دولارات مقابل رهن سندات الخزانة مؤقتاً بدلاً من بيعها في السوق.
ويبلغ الحد المتاح لليابان عبر التسهيل 60 مليار دولار، وقال بيسنت إن الهدف منه حماية الاقتصاد الأمريكي وإبقاء التقلبات خارج الأسواق الأمريكية، معتبراً أن نمو سوق السندات منذ إنشاء الأداة في 2020 يبرر زيادة حجمها.
ويقول الباحث في الاقتصاد السياسي بيني كوك لـ"24"، إن توسيع التسهيل يمنح اليابان أدوات إضافية للدفاع عن الين دون إرباك سوق السندات، لكنه يلفت إلى أن "FIMA" يظل مصدراً احتياطياً قصير الأجل وأعلى كلفة من سوق إعادة الشراء الخاصة، ما يرجح اعتماد طوكيو أولاً على احتياطياتها.

الين يضغط على عملات آسيا
أما تأثير العملية في آسيا، فيربطه كوك بقدرتها على تقليص تجارة الفائدة القائمة على الاقتراض بالين، موضحاً أن استمرار الفجوة بين الفائدة الأمريكية واليابانية سيحد من أثر التدخل، ويبقي اليوان والعملات الآسيوية تحت الضغط أمام الدولار.
وبذلك، لا يبدو إنقاذ الين منفصلاً عن مصالح واشنطن؛ فدعم الحليف يوقف تدهوراً إقليمياً محتملاً، بينما تتيح هندسة السيولة لطوكيو الدفاع عن عملتها دون تحويل سندات الخزانة الأمريكية إلى مصدر أزمة جديدة.