قبل أن تتغير أسعار المنتجات على رفوف المتاجر، تبدأ موجة الغلاء في الحقول، من أزمة الأسمدة، مروراً بمزارعين خفّضوا إنتاجهم، وصولاً إلى ارتفاع تكاليف تشغيل الآلات. وبين الحقل والمتجر، تتحرك الصدمة ببطء، وقد يدفع المستهلك فاتورتها بعد أن يكون النفط، الذي أطلقها، قد هدأ بالفعل.

الأسمدة ترتفع 35% خلال 5 أشهر.. و"فاو" ترصد انتقال الصدمة إلى المستهلك خلال 3 إلى 6 أشهر
تأخر المدخلات يغير قرارات الزراعة ويهدد محاصيل 2027 مع هدوء النفط

وسجل مؤشر أسعار السلع الغذائية، في يوليو (تموز)، أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023، إذا تكشف منظمة الأغذية والزراعة "فاو"، وفقاً لأحدث البيانات التي صدرت، اليوم الجمعة، عن ارتفاع المؤشر إلى 131.1 نقطة في الشهر الماضي، مع زيادة الحبوب 3.4%، والقمح 5.8%، والسكر 5.6%.

ويحذر كبير اقتصاديي المنظمة، ماكسيمو توريرو، من أن الهدوء الحالي قد يكون مؤقتاً، ويتوقع ارتفاع أسعار الغذاء بنهاية 2026 وتسارعها خلال 2027.

ويقول توريرو لوكالة أنباء "رويترز"، إن انتقال أسعار السلع إلى السعر النهائي للغذاء يستغرق بين 3 و6 أشهر، ما يعني أن المستهلك لم يستقبل بعد كامل الزيادة التي تحملها المزارعون.

من الغاز إلى الخبز

لا يقتصر أثر الطاقة على نقل المحاصيل، إذ يستخدم الغاز الطبيعي في إنتاج الأمونيا، أساس الأسمدة النيتروجينية، ويشكل، وفق البنك الدولي، بين 70 و80% من كلفة إنتاجها.

ووفقاً للبنك، سجلت أسعار الأسمدة ارتفاعاً بنسبة 35% على أساس سنوي خلال أول 5 أشهر من العام الجاري، فيما يتوقع صعود مؤشرها 31% خلال العام، مدفوعاً بقفزة تبلغ 60% في أسعار اليوريا.

وتقدر "فاو" أن مضيق هرمز تمر عبره بين 20 و30% من تجارة الأسمدة، وأن تعطله أخّر بين 1.5 و3 ملايين طن من الشحنات شهرياً، فيما لا يمتلك العالم مخزوناً استراتيجياً للأسمدة يماثل احتياطيات النفط.

وبدأت الكلفة المرتفعة تغير قرارات الزراعة، إذ قال توريرو إن مساحات القمح والذرة عالمياً انخفضت خلال أول 3 أشهر من حرب إيران، بينما تحول مزارعون أمريكيون إلى فول الصويا لأنه يحتاج إلى سماد أقل.

وفي أستراليا، تتوقع الحكومة تراجع إنتاج المحاصيل الشتوية 21%، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الوقود والأسمدة وعدم اليقين بشأن توافر المدخلات.

تأخر السماد يهدد المحاصيل

وتوضح "فاو" أن تأخر السماد أسبوعين أو 3 أسابيع عن موعد استخدامه قد يجبر المزارع على خفض الكميات أو الاستغناء عنها، وهو ما يؤثر على إنتاجية المحاصيل في النصف الثاني من العام الحالي وخلال العام المقبل، بصرف النظر عن تحسن الإمدادات.

لذلك، تربط "فاو" الخطر بموعد وصول الطاقة والسماد وليس بسعرهما فقط، بينما يتوقع البنك الدولي انخفاض متوسط برنت من 86 دولاراً في 2026 إلى 70 دولاراً خلال العام المقبل 2027.

وتتزامن تلك التقديرات مع تقديرات أخرى تتعلق بظاهرة "إلنينيو"، إذ تقدر الإدارة الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي احتمال وصول الظاهرة إلى درجة "قوية جداً" بنحو 81% بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول)، ما يرفع مخاطر اضطراب الأمطار وتراجع المحاصيل.

كيف يواجه العالم الصدمة؟

توصي "فاو" بإبقاء تجارة الغذاء والأسمدة مفتوحة، ومنع الدول من تقييد الصادرات، مع استخدام طرق برية وبحرية بديلة لمضيق هرمز، كما تقترح منح المزارعين قروضاً ميسرة حتى يتمكنوا من شراء السماد والبذور ومواصلة الزراعة.

وفي الحقول، يمكن تقليل استهلاك الأسمدة باستخدام الكميات المناسبة لكل محصول، وزراعة الحبوب إلى جانب البقول. وعلى المدى الأطول، تدعو المنظمة إلى التوسع في الأسمدة الحيوية والأمونيا الخضراء، وتشغيل أنظمة الري بالطاقة الشمسية.

أما لحماية المستهلك، فيوصي صندوق النقد الدولي بتوجيه مساعدات نقدية مؤقتة إلى الأسر الأكثر تضرراً، بدلاً من دعم الأسعار للجميع، لأن الدعم الشامل يحمل الموازنات كلفة كبيرة ويصل إلى فئات لا تحتاج إليه.