كشفت شركة "فورد" الأمريكية عن السعر الرسمي لشاحنتها الكهربائية الجديدة "فاثوم" (Fathom)، والذي سيبدأ من 28,350 دولاراً، في خطوة تُعد رخيصة نسبياً مقارنة بمعايير السوق الأمريكي للسيارات الكهربائية، بحسب ما ذكرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
القيمة مقابل السعر
تأتي الشاحنة مزودة بحزمة بطارية اختيارية ترفع مداها إلى أكثر من 300 ميل بشحنة واحدة، في وقت تسعى فيه "فورد" لتقديم طراز يجمع بين السعر المعقول ومدى قيادة يُنافس السيارات الكهربائية الأعلى تكلفة في السوق.
وتُعد "فورد" الشركة الرائدة عالمياً في قطاع الشاحنات الصغيرة، وتحتل سلسلة "إف" (F-Series) صدارة أكثر السيارات مبيعاً في الولايات المتحدة منذ 1981، أياً كان نوعها. وتراهن الشركة على أن يحقق طراز "فاثوم" نجاحاً مماثلاً بفضل سعره المنخفض نسبياً.
رهان بمليارات الدولارات
وأنفقت "فورد" مبالغ تفوق التكاليف الاعتيادية لتطوير "فاثوم"، وهي شاحنة كهربائية أصغر حجماً من الشاحنات التقليدية، من المقرر طرحها للبيع في 2027. غير أن السوق الأمريكية تفتقر حالياً لأي فئة راسخة من الشاحنات الكهربائية الصغيرة التي تتسع لعائلة مكونة من أربعة أفراد.
وحذر إيفان دروري، مدير أبحاث المستهلك في موقع "إدموندز"، من أن فشل الطراز لن يقتصر أثره على الخسائر المالية فحسب، وسيتحول إلى "قصة عبرة" يُستشهد بها في القطاع، مضيفاً: "على الرغم من الحجم الصغير للسيارة، فإن تداعياتها ضخمة".
وعادة ما تتكلف عملية تطوير سيارة جديدة نحو 2 مليار دولار لدى الشركات الكبرى، غير أن أبحاث وتطوير "فاثوم" تجاوزت هذا الرقم بكثير، وبلغت التكلفة الإجمالية للطراز والسيارات المنبثقة عنه قرابة 5 مليارات دولار حتى الآن.
وإلى جانب تكلفة التطوير الباهظة، تواجه "فورد" تحدياً إضافياً يتمثل في السعر المنخفض للسيارة، فالسيارات الرخيصة، خلافاً للفاخرة، تحتاج إلى مبيعات ضخمة لتحقيق أرباح مماثلة. وقالت إيما بيرغ، المتحدثة باسم "فورد"، لـ"سي إن إن": "إنه رهان كبير بالنسبة لفورد بكل تأكيد".
تجربة سابقة مؤلمة مع "لايتنينغ"
وسبق لـ"فورد" أن خاضت تجربة مماثلة، وكان يُفترض أن تجعل شاحنة "إف-150 لايتنينغ"، عند الإعلان عنها في 2021، السيارات الكهربائية بنفس شعبية شاحنة "إف-150" التقليدية. وبدأ سعرها الأساسي عند 40 ألف دولار في النصف الأول من 2022، وتوقعت "فورد" حينها إقبالاً واسعاً عليها.
غير أن السعر الأساسي قفز إلى قرابة 60 ألف دولار بحلول 2023، فتراجع إقبال المشترين المتشككين في التقنية الجديدة وارتفاع السعر. ولم تتجاوز المبيعات السنوية 33,510 وحدة في 2024، لتُنهي "فورد" إنتاج الطراز في ديسمبر (كانون الأول) 2025.
وازدادت الأوضاع صعوبة أمام السيارات الكهربائية منذ ذلك الحين، وألغت إدارة ترامب والجمهوريون في الكونغرس، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إعفاءً ضريبياً فيدرالياً بقيمة 7,500 دولار كان يُمنح لمشتري السيارات الكهربائية. وتميل هذه السيارات أساساً لأن تكون مرتفعة الثمن، وسجلت شركة "كوكس أوتوموتيف" أن متوسط سعر بيع السيارة الكهربائية بلغ 56,238 دولاراً في يونيو (حزيران)، أي أعلى بقرابة 7 آلاف دولار من متوسط سعر السيارات عموماً.
ومع ذلك، لم يقضِ إلغاء الإعفاء الضريبي على سوق السيارات الكهربائية بالكامل، وارتفعت مبيعاتها في الولايات المتحدة بنسبة 15% بين الربع الأول والربع الثاني من العام الحالي.
"مافريك" المعيار الأنسب
ويرى كل من دروري وبيرغ أن المقارنة الأنسب لطراز "فاثوم" ليست شاحنة "إف-150 لايتنينغ" ذات الهيكل الكبير والسعر المرتفع، وإنما شاحنة "فورد مافريك" الصغيرة، التي طُرحت للبيع في 2019، وتتوفر بنسختين تعملان بالبنزين والهجين. ويبدأ سعرها من 28,145 دولاراً، أي أرخص بـ200 دولار فقط من "فاثوم" المرتقبة، وبِيع منها قرابة 155 ألف وحدة العام الماضي.
وقد يبدو هذا الرقم متواضعاً مقارنة بـ800 ألف شاحنة من سلسلة "إف" باعتها "فورد" في 2025، غير أن الأرقام المجردة لا تعكس الصورة كاملة، وقد نفدت طاقة إنتاج "مافريك" لعدة سنوات متتالية، بحسب دروري.
وقال دروري: "يمكن اعتبار (مافريك) على الأرجح قصة النجاح الأبرز خلال العقد الماضي.. مهما نظرت إلى الأمر، فإن السيارة تجاوزت كل التوقعات".
ولا يُعد العميل الأساسي لـ"مافريك" مشترياً تقليدياً للشاحنات، وإنما شخصاً قادماً من فئة سيارات اقتصادية مماثلة، مثل "هوندا سيفيك". وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لشركة "فورد"، جيم فارلي، لمجلة "فاست كومباني" في أبريل (نيسان) الماضي، إنه يرى فرصاً كبيرة للنمو في الشريحة الأقل سعراً من السوق، مضيفاً: "كل ما شهدناه من ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة يعزز الخيارات التي اتخذناها".
سيارة المستقبل؟
وبالنسبة لـ"فورد"، لا يقتصر الهدف من "فاثوم" على تحقيق أعلى مبيعات ممكنة حالياً، وإنما يتجاوز ذلك إلى رسم ملامح مستقبل الشركة. فرغم تقليص "فورد" خططها لإنتاج السيارات الكهربائية، إلا أنها لم تتخلَ عنها بالكامل.
وتُعد "فاثوم" أول منتج يُبنى على ما تُسميه "فورد" منصة "المركبات الكهربائية الشاملة" (Universal Electric Vehicle platform)، وستكون البنية الأساسية لإنتاج عدة سيارات كهربائية مقبلة، تتراوح بين السيارات المدمجة وسيارات الشحن، بحسب بيرغ، وهو ما من شأنه المساعدة على تعويض جزء من تكاليف تطوير "فاثوم".
وعلى الرغم من استهداف "فاثوم" للشريحة الأقل سعراً في السوق، ستتضمن مزايا عدة لجذب المشترين من العلامات التجارية الأخرى، من بينها شاشة كبيرة، إضافة إلى تجهيز كل نسخة، حتى الأساسية منها، بالعتاد والحساسات اللازمة لتشغيل نظام "بلوكروز" (BlueCruise)، الذي يتيح للسائق رفع يديه عن المقود أثناء القيادة على الطرق السريعة.
وشددت المتحدثة باسم "فورد" على أن السعر المنخفض لم يأتِ على حساب الجوانب التي يلاحظها العملاء، وإنما نتج عن عمليات التصنيع التي أنفقت الشركة عليها مليارات الدولارات لتطويرها. وقالت بيرغ: "تُعد القدرة على تحمل التكلفة أولوية كبرى للشركة حالياً، ليس فقط في قطاع السيارات الكهربائية، بل على مستوى الشركة ككل".