تعرضت طائرة من طراز "بوينغ 737-800" تابعة لشركة "أمريكان إيرلاينز" لحادث اصطدام بالطيور أثناء إقلاعها من مطار ميرتل بيتش الدولي في ولاية كارولاينا الجنوبية، في حادثة كشفت مجدداً عن الكلفة الاقتصادية الباهظة التي تتكبدها شركات الطيران والمطارات جراء هذه الظاهرة عالمياً.

تفاصيل الحادثة

دخلت مجموعة من الطيور المحرك الأيسر للطائرة، التي كانت تقل الرحلة رقم "AA1760" المتجهة إلى مطار تشارلوت دوغلاس، ووثق ركاب وشهود عيان أصوات فرقعة شديدة واهتزازاً قوياً في الطائرة، تبعه وميض من اللهب وألسنة نار خرجت من المحرك الأيسر، فيما يُعرف تقنياً بـ"توقف ضاغط الهواء"، نتيجة اختلال تدفق الهواء والوقود بعد ابتلاع الطيور.

وأعلن قائد الطائرة حالة الطوارئ، إذ التف فوق المحيط لتخفيف الارتفاع والعودة فوراً، لتهبط الطائرة بسلام بعد 36 دقيقة من الإقلاع، دون تسجيل أي إصابات بين الركاب البالغ عددهم 172 راكباً وأفراد الطاقم. وسُحبت الطائرة للصيانة، فيما أُرسلت بقايا الطيور، المعروفة في مجال الطيران باسم "سنارج"، إلى مختبرات معهد سميثسونيان لتحديد نوعها.

كلفة سنوية تتجاوز مليار دولار عالمياً

وتُصنف ظاهرة اصطدام الطيور بالطائرات واحدة من أكثر المشكلات استنزافاً لأموال شركات الطيران والمطارات عالمياً. وبحسب هيئة الطيران الفيدرالية الأمريكية، تُقدَّر الخسائر الإجمالية لقطاع الطيران العالمي بأكثر من 1.2 مليار دولار سنوياً، نتيجة الأضرار وتأخير الرحلات.

أما في الولايات المتحدة وحدها، فتُكلف هذه الحوادث المطارات والشركات الأمريكية ما يقارب 900 مليون دولار سنوياً، مع تسجيل أكثر من 24 ألف حالة اصطدام بالحياة البرية، وفق تقارير نشرتها منصتا "Aviation A2Z" و"FODNews" المتخصصتان في شؤون الطيران.

تكاليف مباشرة وغير مباشرة

وتشمل هذه الخسائر تكاليف صيانة وتغيير المحركات، إذ تُعد المحركات النفاثة الحديثة شديدة الحساسية، ودخول طائر كبير كالإوز فيها كفيل بكسر شفرات المروحة أو تحطيمها، بكلفة إصلاح أو استبدال قد تتجاوز ملايين الدولارات للحادثة الواحدة.

كما تتكبد شركات الطيران خسائر إضافية جراء بقاء الطائرة خارج الخدمة لأيام أو أسابيع، ما يعني ضياع إيرادات رحلاتها المجدولة، فضلاً عن تكاليف تشغيلية طارئة تشمل تعويض الركاب وإعادة جدولة رحلاتهم وتوفير السكن والوجبات لهم، إلى جانب استهلاك الوقود الإضافي أثناء تفريغه أو الدوران قبل الهبوط الاضطراري. كما يتسبب إغلاق المدارج مؤقتاً لتنظيف بقايا الطيور في تعطيل حركة مطارات بأكملها ورفع تكلفة التأخير.

ولمواجهة هذه الظاهرة، تخصص المطارات ميزانيات ضخمة لحلول تقنية متطورة، من بينها أنظمة رادار مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل نظام "Skyguard"، لتتبع أسراب الطيور، وطائرات مسيّرة لحراسة الأجواء المحيطة بالمدرج، إلى جانب وسائل صوتية وتغيير للبيئة النباتية المحيطة بالمطارات لجعلها أقل جذباً للحياة البرية.

آليات التأمين المعتمدة

وبحسب ممارسات معتمدة في قطاع الطيران العالمي، تعتمد شركات الطيران على تغطيات تأمينية متعددة لمواجهة هذه الحوادث، أبرزها تأمين جسم الطائرة، الذي يغطي الأضرار المادية المباشرة للطائرة ومحركاتها، وتأمين المسؤولية المدنية، الذي يعوّض الركاب عن أي إصابات أو إلغاء رحلات أو فقدان أمتعة، إلى جانب تأمين انقطاع الأعمال، الذي تلجأ إليه بعض الشركات الكبرى لتغطية خسائر بقاء الطائرة على الأرض، رغم أن هذا النوع يخضع لشروط صارمة من شركات التأمين نظراً لتكرار الظاهرة.

من يدفع الفاتورة؟

تخضع عقود تأمين الطيران، التي تُبرم غالباً عبر سوق "لويدز" في لندن، أحد أبرز أسواق إعادة التأمين العالمية، لمفهوم "نسبة التحمل"، وهو مبلغ ثابت محدد مسبقاً في وثيقة التأمين، تلتزم شركة الطيران بدفعه كاملاً من أموالها الخاصة عن كل حادث، قبل أن تبدأ شركة التأمين بتغطية ما يتجاوزه. وتضع شركات الطيران الكبرى، مثل "أمريكان إيرلاينز" أو "دلتا"، نسب تحمل مرتفعة قد تصل إلى مليون دولار لكل حادث، مقابل قسط تأمين سنوي أقل.

وعلى سبيل التوضيح، ففي حادثة يفترض أن كلفة إصلاح المحرك بلغت 750 ألف دولار، تتحمل شركة الطيران الفاتورة كاملة من جيبها، لأن الكلفة لم تتجاوز حاجز المليون دولار. أما إذا استلزم الحادث استبدال المحرك بالكامل بتكلفة 4.5 ملايين دولار، فتدفع شركة الطيران مليون دولار كنسبة تحمل، فيما تغطي شركة التأمين المبلغ المتبقي البالغ 3.5 ملايين دولار.

ونظراً لتكرار هذه الحوادث، تلجأ بعض شركات الطيران إلى شراء وثيقة تأمين ثانوية مكملة، تُعرف بـ"تأمين استرداد نسبة التحمل"، تُعوّضها عن جزء كبير من هذا المبلغ الذي تدفعه من أموالها الخاصة.

من يتحمل المسؤولية القانونية؟

تقع على عاتق إدارات المطارات، وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي وهيئة الطيران الفيدرالية الأمريكية، مسؤولية إدارة الحياة البرية في محيط المطارات، ضمن نطاق خمسة أميال من المدارج. وإذا أثبتت التحقيقات تقاعس المطار عن تفعيل أنظمة طرد الطيور أو إصدار تحذيرات كافية للملاحة الجوية، يحق لشركة الطيران أو شركة التأمين رفع دعوى قضائية ضد المطار للمطالبة بالتعويض.

وغالباً ما تُصنَف حوادث اصطدام الطيور قانونياً بوصفها "قوة قاهرة"، وهو تصنيف يحمي شركات الطيران من الغرامات أو القضايا الجنائية، طالما التزم الطاقم بإجراءات السلامة القياسية أثناء التعامل مع الحادث.

حقوق الركاب

وبموجب لوائح وزارة النقل الأمريكية (DOT)، لا تلزم شركات الطيران بدفع تعويضات مالية نقدية للركاب في حالات القوة القاهرة، كاصطدام الطيور، لكنها ملزمة بإعادة حجزهم مجاناً على أول رحلة متاحة، أو تقديم استرداد كامل لقيمة التذكرة في حال إلغاء الراكب رحلته. أما في الرحلات الدولية، فتخضع الشركات لاتفاقية مونتريال، التي تحمّلها مسؤولية صارمة عن تأخير الركاب، ما لم تثبت أنها اتخذت كل التدابير المعقولة لتفادي الضرر.