يواجه سوق الشحن البحري أزمة غير معهودة بسبب الطفرة الكبيرة في صناعة السيارات الصينية، حيث أصبحت المصانع تنتج سيارات بوتيرة أسرع من قدرة سفن العالم على نقلها.

خلف هذه الطفرة في صادرات السيارات سوق صينية شديدة الازدحام، فهناك أكثر من 100 علامة محلية تتنافس على المستهلك، بينما تراجع الطلب في الداخل بأكثر من 20% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي

ومع اقتراب صادرات الصين من 10 ملايين سيارة هذا العام، أصبح العثور على السفن اللازمة لنقلها إلى الأسواق الخارجية تحدياً أمام شركات صناعة السيارات، في ظل امتلاء حجوزات ناقلات السيارات المتخصصة لفترات طويلة، ما دفع بعض الشركات إلى البحث عن وسائل بديلة للشحن.

كيف اتسعت الفجوة؟

لفهم حجم التحول يكفي النظر إلى ما كانت عليه الصادرات الصينية في 2019، إذ لم تتجاوز 600 ألف سيارة آنذاك. وخلال الفترة نفسها زاد أسطول ناقلات السيارات في العالم 40%، لكنه لم يقترب من مواكبة الزيادة في الصادرات الصينية. 

وبالتالي انعكس هذا النقص مباشرة على أسعار السفن، حيث بلغ متوسط تأجير ناقلة سيارات كبيرة 70 ألف دولار يومياً في يونيو (حزيران)، مقارنةً بـ 42.5 ألف دولار في نهاية 2025، بحسب شركة الوساطة البحرية Clarksons.

اللافت أن شركات الشحن كانت تتوقع تراجع الأسعار مع دخول سفن جديدة إلى الخدمة، بعدما أنفقت مليارات الدولارات بين 2022 و2025 على طلب ناقلات جديدة، لكن نمو صادرات السيارات الصينية جاء أسرع من وصول هذه السفن إلى السوق، فعاد الضغط على الطاقة الاستيعابية وارتفعت الأسعار بدلاً من أن تنخفض.

السيارات تدخل الحاويات

حينئذ وجدت شركات صناعة السيارات نفسها أمام خيار لم يكن شائعاً بهذا الحجم من قبل، ألا وهو استخدام حاويات الشحن العادية لنقل السيارات.

فبحسب تقديرات شركة Wallenius Wilhelmsen، الرائدة في مجال الشحن البحري والخدمات اللوجستية للمركبات، تخرج 4 ملايين سيارة من الصين سنوياً داخل الحاويات أو بوسائل أخرى لا تعتمد على ناقلات السيارات المتخصصة.

وفي حين تسمح الناقلات المتخصصة بقيادة السيارات إلى السفينة ثم إخراجها مباشرة عند الوصول، تتطلب الحاويات تحميل السيارات ورفعها بالرافعات في الموانئ، ما يزيد الوقت والتكلفة. لكن مع نقص السفن المتخصصة أصبحت هذه الطريقة وسيلة تلجأ إليها شركات صناعة السيارات لتأمين شحنات التصدير.

فائض الإنتاج يتجه للخارج

التقارير تكشف أيضاً أن خلف هذه الطفرة في الصادرات سوق صينية شديدة الازدحام، فهناك أكثر من 100 علامة محلية تتنافس على المستهلك، بينما تراجع الطلب في الداخل بأكثر من 20% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية التي نقلتها "وول ستريت جورنال".

لذلك أصبح الخارج منفذاً مهماً أمام السيارات الصينية، فبدلًا من أن تتنافس عشرات الشركات على المشتري نفسه في المدن الصينية، تتجه إلى أوروبا وبريطانيا والبرازيل وأسواق أخرى حيث لا تواجه العدد نفسه من المنافسين المحليين.

وهو ما تؤكده الأرقام الأوروبية بالفعل، إذ ارتفعت تسجيلات سيارات SAIC Motor في الاتحاد الأوروبي 19% خلال النصف الأول من العام، بينما زادت تسجيلات BYD بأكثر من الضعف. 

حل من داخل الصناعة

ولحل مشكلة الشحن من جذورها، اتجهت شركات سيارات صينية إلى امتلاك السفن بدلاً من انتظار توفرها. وكانت BYD من أوائل الشركات التي سلكت هذه الطريق؛ فأطلقت أول ناقلة سيارات لها في 2024، حتى أصبحت تملك الآن 8 سفن.

ومع استمرار تدفق السيارات إلى الأسواق الخارجية، يتوقع الخبراء أن تتحول السفن إلى جزء أساسي من خطط التوسع لدى الشركات في بكين، نتيجة انتقال المنافسة تدريجياً من إنتاج السيارات فقط إلى امتلاك القدرة على إيصالها للأسواق العالمية أيضاً.