يتحول طريق بحر الشمال (NSR) في القطب الشمالي من مشروع روسي طموح، إلى ممر تجاري واستراتيجي متزايد الأهمية للصين وروسيا، في وقت تسعى موسكو إلى تنويع أسواقها ومصادر دخلها، بينما تبحث بكين عن مسارات أقصر وأكثر أماناً للطاقة والتجارة، بعيداً عن الممرات البحرية التقليدية.

وبحسب تقرير لشبكة CNN الأمريكية، تعمل الصين على تطوير ما تسميه "طريق الحرير الجليدي"، بهدف تقليص زمن الشحن بين آسيا وأوروبا، وتجاوز الممرات التقليدية، رغم التحديات البيئية واللوجستية الكبيرة التي يفرضها الطريق.

ويبلغ طول طريق بحر الشمال نحو 3500 ميل، ويمتد على طول الساحل القطبي الشمالي لروسيا، إلا أن الملاحة فيه لا تزال شديدة الصعوبة بسبب الجليد، ولا يمكن عبوره بصورة منتظمة من دون كاسحات جليد، فيما تظل فترة الملاحة التقليدية محدودة خلال أشهر الصيف.
صادرات السيارات الصينية تُربك أسطول الشحن العالمي - موقع 24تشهد صناعة الشحن البحري العالمية ضغوطاً متزايدة نتيجة الطفرة غير المسبوقة في صادرات السيارات الصينية، بعدما أصبحت مصانع الصين تنتج أعداداً ضخمة من المركبات الموجهة للأسواق الخارجية، بوتيرة تفوق قدرة ناقلات السيارات المتخصصة على استيعابها.

منفذ للأسواق الآسيوية 

وتقول الشبكة الأمريكية: "لطالما تصور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن يصبح الطريق، شرياناً رئيسياً للتجارة، ومحركاً للاستثمار في الموانئ الروسية وحقول النفط والغاز". لكن التكاليف المرتفعة والظروف المناخية القاسية والمخاطر اللوجستية، عرقلت لفترة طويلة تحقيق هذه الرؤية.

غير أن العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ اندلاع الحرب الأوكرانية 2022، إلى جانب اضطراب حركة التجارة والطاقة في الممرات التقليدية، أعادت إحياء أهمية الطريق بالنسبة لموسكو، باعتباره منفذاً بديلاً لتصدير مواردها الطبيعية والوصول إلى الأسواق الآسيوية.

وأصبحت الصين، الشريك التجاري الأبرز في استخدام الطريق، مع تزايد حركة السفن الصينية التي تنقل البضائع الصناعية إلى روسيا، وتعود محملة بالمواد الخام الروسية.

"طريق حرير قطبي"

أما بالنسبة إلى بكين، فيمثل طريق بحر الشمال امتداداً قطبياً لمبادرة "الحزام والطريق"، التي تسعى الصين من خلالها إلى تعزيز حضورها التجاري والاقتصادي في الأسواق العالمية.

وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ، طرح في 2018، رؤية لإنشاء "طريق حرير قطبي"، يتيح تقليص زمن الشحن إلى أوروبا، ويمنح بكين مساراً إضافياً للطاقة الروسية.

وتظهر أهمية هذا الجانب، مع ارتفاع واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال الروسي قرابة 28% الستة أشهر الأخيرة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، بالتزامن مع اضطراب الامدادات في الشرق الأوسط.

الصين تعيد رسم خريطة التجارة العالمية من بوابة الصناعات المتقدمة - موقع 24​لم تعد عبارة "صُنع في الصين" مجرد شعار يُطبع على ألعاب الأطفال والأجهزة الإلكترونية رخيصة التكلفة التي غمرت الأسواق لعقود طويلة بدأت في تسعينيات القرن الماضي، بل تغير الأمر بشكل كبير بعدما اقتحمت الصناعات الثقيلة.

تجارة فعلية

وبدأت شركات الصينية في تحويل هذا الطموح إلى خدمات ملاحية منتظمة، إذ من المتوقع أن تطلق شركة الشحن الصينية الناشئة "سي ليجند"، أول خدمة حاويات منتظمة تعمل موسمياً بين الصين وأوروبا، بزمن عبور 20 يوماً، أي نحو نصف المدة التي يستغرقها المسار التقليدي عبر قناة السويس.

كما أطلقت شركة "نيو نيو شيبينغ"، خطاً ملاحياً جديداً يربط ميناء تيانجين الصيني بميناء مورمانسك، أكبر الموانئ الروسية في القطب الشمالي.

وبحسب جداول نشرتها جمعية "مالكي السفن" الصينية، من المتوقع أن تنفذ 6 شركات شحن صينية على الأقل 50 رحلة على طول طريق بحر الشمال هذا الموسم بين الصين وروسيا.

وتظهر بيانات الشحن أيضاً تنامي استخدام الطريق لنقل الطاقة الروسية. فبحسب تحليل أجرته CNN لبيانات الشحن استناداً إلى أرقام تعريف السفن، أُدرجت الناقلات الثماني التي عبرت طريق بحر الشمال إلى الصين العام الماضي على القائمة السوداء الأمريكية، لنقلها شحنات خاضعة للعقوبات.

توسع أكبر

ولا يقتصر الرهان الصيني على الوضع الحالي، إذ يمكن أن يؤدي ذوبان الجليد في العقود المقبلة إلى إطالة موسم الملاحة وفتح مسارات جديدة، ما يعزز الجدوى التجارية للطريق.

وتقول CNN إن هذا التطور يمنح بكين فرصة لتوسيع وجودها في منطقة طالما سعت إلى تعزيز حضورها فيها، ووصفت نفسها بأنها "دولة قريبة من القطب الشمالي".

ساحة تنافس

ومع توسع النشاط الصيني والروسي، يتحول الطريق تدريجياً، إلى جزء من التنافس الجيوسياسي على القطب الشمالي.

ويستغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الأنشطة لتبرير اهتمام واشنطن بغرينلاند، كما أبرمت الولايات المتحدة صفقة لبناء سفن مع فنلندا، بهدف توسيع أسطول كاسحات الجليد الأمريكية.

وفي يوليو (تموز)، دعا مارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، إلى تنسيق جهود الحلف لمواجهة ما وصفه بـ"خطر جسيم" يتمثل في تزايد نفوذ روسيا والصين في القطب الشمالي.