بين محطات طاقة نووية تُغلق أبوابها، ومزارعين يُضطرون لحصاد محاصيلهم في ظلام الليل، ومعالم سياحية بارزة تفضل إغلاق أبوابها مبكراً؛ تعيش القارة الأوروبية صيفاً استثنائياً.  ولم تعد الحرارة المرتفعة مجرد تقلبات جوية عابرة، بل تحولت إلى ضاغط اقتصادي يهدد بإصابة القطاعات الحيوية بالقارة بالفشل، وذلك في وقت يتأثر فيه الاقتصاد الأوروبي بالرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية في المنطقة.

​شلل في شريان الطاقة 

إذ ​تسببت موجات الحر المتتالية والانخفاض الحاد في مستويات مياه الأنهار الرئيسية في أزمات تشغيلية معقدة، وأعلنت شركة "نوكلير إلكتريكا" الرومانية عن فصل مفاعلها التشغيلي الوحيد عن الشبكة نتيجة الانخفاض القياسي لمياه نهر الدانوب اللازمة لتبريد المعدات، ما دفع البلاد لإعلان حالة الطوارئ في مجال الطاقة لشرائح الاستهلاك طوال شهر أغسطس(آب). 

ولم تكن فرنسا أو المجر بمعزل عن ذلك، حيث اضطرت الدولتان إلى تقليص إنتاجهما من الطاقة النووية للأسباب ذاتها، بحسب تقرير لشبكة سي إن إن الأمريكية.

​وعلى الصعيد اللوجستي، تراجع منسوب نهر الراين في ألمانيا وهو الشريان الحيوي لنقل المواد الخام والكيماويات، ما يهدد باقتطاع نحو 0.3 % من نمو الناتج المحلي الإجمالي لأكبر اقتصاد في أوروبا. 

واضطرت شركات كبرى مثل BASF للبحث عن وسائل نقل بديلة كالقطارات والشاحنات، ما يدفع سلطات عدة ولايات لرفع الحظر المعتاد على قيادة الشاحنات يوم الأحد لتفادي انقطاع سلاسل الإمداد.

خسائر مليارية

و​وفق تقديرات صريحة صادر عن بنك تريودوس الهولندي، فإن كلفة الصيف الحارق تتخطى 208 مليارات دولار، أي نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي

ويعود الجزء الأكبر من هذه الخسائر إلى انخفاض إنتاجية العمال، واضطراب قطاعات الزراعة، والنقل، والخدمات السياحية التي شهدت تعطل مواعيد العمل في معالم كبرى مثل برج إيفل ومتحف اللوفر في باريس.

و​ترافق ذلك مع تضرر المحاصيل الزراعية وارتفاع مخاطر حرائق الغابات، ما يضع أسعار المواد الغذائية أمام موجات تضخمية جديدة. 

وفي محاولة للتكيف مع هذا الواقع القاسي، اتجه بعض المزارعين كما في إنجلترا إلى الحصاد الليلي للمحافظة على رطوبة المحاصيل وجودتها قبل تلفها بفعل أشعة الشمس الحارقة.

تداعيات إغلاق مضيق هرمز

و​تزداد التعقيدات الاقتصاديّة مع اقتراب فصل الشتاء؛ إذ تواجه القارة ارتفاعاً كبيراً في أسعار الغاز الطبيعي الذي وصلت عقوده الآجلة إلى مستويات قياسية تقترب من ضعف أسعار العام الماضي، لتسجل نحو 61 يورو لكل ميغاوات/ ساعة. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى اضطراب شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.

​ورغم أن مستويات تخزين الغاز في الاتحاد الأوروبي تقف حالياً عند 59% وهو مستوى منخفض مقارنة بالمتوسط العام، إلا أن محللين يؤكدون أن القارة اليوم أكثر مرونة مما كانت عليه خلال أزمة 2022؛ نظراً لتراجع الطلب الإجمالي على الغاز بنسبة تصل إلى 20% وتنويع مصادر الإمداد.