تواجه البنوك المركزية العالمية معضلة متزايدة، إذ قد تؤدي الأدوات الطارئة التي تستخدمها لحماية الأسواق من الانهيارات إلى "تشجيع مزيد من الاقتراض والمخاطرة، بما يزيد هشاشة النظام المالي العالمي على المدى الطويل"، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وبعد الأزمة المالية العالمية في 2008، ثم صدمة جائحة كورونا في 2020، توسع دور البنوك المركزية من كونها "المقرض الأخير" للنظام المصرفي إلى التدخل لدعم سيولة أسواق مالية أوسع، بما في ذلك أسواق السندات الحكومية، بحسب التقرير.
وكان هذا التحول ضرورياً لمنع تحوّل أزمات السيولة إلى انهيارات مالية أوسع، لكنه أثار في المقابل ما يعرف اقتصادياً بـ"المخاطر الأخلاقية"، إذ قد يؤدي اعتقاد المستثمرين بأن السلطات ستتدخل لإنقاذ الأسواق عند الضرورة إلى تقليل حوافز إدارة المخاطر، وتشجيع مزيد من الاقتراض والرفع المالي.
صناديق التحوط
وتظهر إحدى أبرز صور هذه المخاطر، في تنامي استراتيجيات التداول المعتمدة على الرفع المالي لدى صناديق التحوط.
وتشير تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، إلى أن "حيازات صناديق التحوط من سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت إلى نحو 2.4 تريليون دولار بنهاية العام الماضي، مقارنة بنحو 600 مليار دولار قبل عقد".
وتعتمد بعض استراتيجيات المراجحة على تحقيق هوامش ربح صغيرة من الفروق السعرية بين سندات الخزانة وعقودها الآجلة، ما يدفع المستثمرين إلى استخدام الاقتراض والرفع المالي لتعزيز العائد على رأس المال.
وتكمن الخطورة في أن "أي تحرك حاد في الأسعار، أو ارتفاع مفاجئ في متطلبات الضمانات، يمكن أن يجبر المستثمرين على تقليص مراكزهم سريعاً"، ما يؤدي إلى موجة بيع تزيد اضطرابات السوق، كما حدث خلال اضطرابات أسواق الخزانة الأمريكية في مارس (آذار) 2020.
ويقول هيو بيل، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، إن "تدخلات البنوك المركزية قد تساعد الحكومات على تمويل نفسها بتكاليف أقل، وتوفر للقطاع المالي فرصاً لتحقيق أرباح، لكنها قد تخلق في المقابل شعوراً زائفاً باستقرار الأسواق، ما لم تستمر قدرة السلطات على التدخل عند الحاجة"، بحسب "وول ستريت".
الإنقاذ أو تشديد السياسة
وتزداد المعضلة تعقيداً عندما تتداخل إجراءات توفير السيولة مع السياسة النقدية، إذ أظهرت أزمات السنوات الماضية صعوبة تنفيذ تدخلات تستهدف تهدئة اضطرابات الأسواق، بالتزامن مع محاولة البنوك المركزية تشديد الأوضاع المالية لكبح التضخم.
وبرز ذلك بوضوح خلال أزمة سوق السندات البريطانية في سبتمبر (أيلول) 2022، بحسب الصحيفة، عندما تدخل بنك إنجلترا بصورة مؤقتة لدعم سوق السندات الحكومية واحتواء المخاطر التي واجهتها صناديق التقاعد، مع مواصلة سياسته الهادفة إلى تشديد الأوضاع النقدية.
وفي الأزمة المصرفية الأمريكية عام 2023، أطلق الاحتياطي الفيدرالي برنامج "التمويل المصرفي لأجل"، لتوفير السيولة للبنوك التي تواجه ضغوطاً، عبر إتاحة الاقتراض بضمان أوراق مالية مؤهلة بقيمتها الاسمية، بدلاً من قيمتها السوقية المتراجعة.
وساعدت هذه الإجراءات على احتواء مخاطر انتقال العدوى إلى النظام المالي، لكنها أعادت في الوقت نفسه النقاش حول حدود تدخل البنوك المركزية، وما إذا كان إنقاذ الأسواق في كل أزمة قد يؤدي تدريجياً إلى زيادة مستويات الرفع المالي والمخاطر التي تتحملها المؤسسات المالية.