تمر الصناعات الحديثة برحلة معقدة تبدأ من أعماق المناجم وتصل إلى أعقد التقنيات الاستراتيجية، حيث تشكّل معادن مثل الليثيوم والغرافيت والنيكل والكوبالت والنحاس المحرك الأساسي للسيارات الكهربائية، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وتوربينات الرياح، إلى جانب قطاعات الطيران والدفاع.
يشمل مصطلح "العناصر الأرضية النادرة" 17 عنصراً معدنياً في الجدول الدوري، تضم السكانديوم والإتريوم وعناصر اللانثانيدات، وهي منتشرة في أنحاء قشرة الأرض وتفوق وفرتها الذهب، إلا أن استخراجها ومعالجتها يتسمان بالتعقيد وارتفاع التكلفة، فضلًا عن الآثار البيئية المرتبطة بعمليات إنتاجها.
ورغم كونها تشكّل نسبة ضئيلة من قيمة المنتج النهائي، فإن غيابها يؤدي إلى تعطيل قطاعات صناعية كاملة، نظراً لعدم وجود بدائل عملية.
وتكمن خطورة هذه السلسلة في كون امتلاك المادة الخام للمعدن لا يعني السيطرة عليه؛ فالقوة الحقيقية ترتبط بالقدرة على التكرير المعقد، وهي مرحلة تحتكرها دول معدودة، ما يجعل أي اضطراب في التوريد أو التكرير تهديداً مباشراً لخطوط الإنتاج العالمية.
شريان عصر الكهرباء
يتصدر النحاس قائمة هذه المعادن بفضل كفاءته العالية في توصيل الكهرباء، ما يجعله العمود الفقري لشبكات الطاقة الحديثة، حيث يدخل في خطوط النقل والمحولات، ومحطات شحن السيارات الكهربائية، ومراكز البيانات، ومشروعات الطاقة المتجددة، ما يجعله أساساً لتلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع الطلب العالمي عليه بنحو 7 ملايين طن بحلول 2040، بينما سيصل عجز الإمدادات إلى 25% بحلول 2035 في ظل المشروعات الحالية.

أساس صناعة البطاريات
ويشكّل الليثيوم العنصر الأساسي في بطاريات السيارات الكهربائية والهواتف ومنظومات تخزين الكهرباء، نظراً لكفاءته العالية في حفظ الطاقة. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب العالمي عليه سيتضاعف أكثر من ثلاث مرات بحلول 2040، نتيجة توسع الحكومات في دعم الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية.
أما الغرافيت، فيؤدي دوراً أساسياً في تصنيع الأنود، وهو الجزء الذي يستقبل أيونات الليثيوم داخل بطاريات الليثيوم أيون. ولا يصبح الخام المستخرج مناسباً للاستخدام في البطاريات مباشرة، بل يحتاج إلى مراحل من التنقية والتشكيل والطلاء، وهي عمليات تسيطر الصين على جانب كبير منها.
بطاريات أكثر كفاءة وكلفة بيئية
ويأتي الكوبالت أيضاً ضمن المعادن المهمة التي تساعد على تعزيز استقرار البطاريات وكثافة الطاقة وإطالة عمرها، كما يدخل في صناعة سبائك تستخدم في محركات الطائرات وأدوات القطع.
وتستحوذ جمهورية الكونغو الديمقراطية على الجزء الأكبر من إنتاجه، بينما تؤدي الصين دوراً رئيسياً في تكريره، وسط انتقادات مرتبطة بظروف العمل والتلوث.
في السياق ذاته، ينضم النيكل إلى قائمة المعادن المستخدمة في البطاريات، حيث يتيح لبعض أنواعها تخزين طاقة أكبر من دون زيادة كبيرة في الوزن، إلى جانب استخدامه في الفولاذ المقاوم للصدأ وتوربينات الغاز وصناعات الطيران.
وتتصدّر إندونيسيا نمو إنتاجه ومعالجته، في ظل مخاوف بيئية مرتبطة بإزالة الغابات والتلوث ومخلفات التعدين.

معادن صغيرة بأهمية استراتيجية
وفيما يتعلّق بالعناصر الأرضية النادرة مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم والديسبروسيوم والتربيوم، فتدخل في صناعة المغناطيسات عالية الكفاءة المستخدمة في السيارات الكهربائية والروبوتات وتوربينات الرياح والطائرات المسيّرة وأنظمة توجيه الصواريخ.
وتتركّز أهميتها في كونها تسمح بتصنيع مغناطيسات قوية وصغيرة الحجم، ما يساعد على رفع كفاءة المحركات وتقليل حجمها، وهو ما يجعلها حاضرة في تقنيات تتوسع سريعاً في قطاعات الطاقة والنقل والدفاع.
ورغم تراجع حصة الصين من تكرير هذه العناصر من أكثر من 90% في 2023 إلى 85% في 2025، فإنها لا تزال لاعباً مهيمناً في السلسلة.
كذلك الغاليوم والجرمانيوم يؤديان أدواراً متخصصة في التكنولوجيا؛ فالأول يدخل في أشباه الموصلات المستخدمة في الرادارات والأقمار الصناعية وشبكات الجيل الخامس، بينما يستخدم الثاني في الألياف الضوئية والرؤية الليلية والتصوير الحراري والخلايا الشمسية للأقمار الصناعية.
ويُستخرج المعدنان غالباً كمنتجات جانبية أثناء معالجة معادن أخرى، ما يجعل إنتاجهما مرتبطاً بإنتاج تلك المعادن.

ما وراء المنتج النهائي
على صعيد آخر، يمنح التنغستن أدوات القطع والحفر قدرة على تحمل درجات الحرارة والظروف القاسية، ما يجعله جزءاً مهماً من عمليات التصنيع والطيران والدفاع. ووفق وكالة الطاقة الدولية، ارتفعت أسعاره ستة أمثال خلال 2025 ومطلع 2026 وسط قيود على التصدير وزيادة الطلب.
أما التنتالوم فيستخدم في المكثفات الإلكترونية داخل الهواتف والسيارات والطائرات والمعدات الطبية والعسكرية.
ويلخص التنتالوم المفارقة التي تحكم هذه الأسواق؛ فسوقه صغيرة، لكن نقصه قد يعطل صناعات تفوق قيمته بعشرات الأضعاف.
والأمر نفسه ينطبق على المعادن السابق ذكرها؛ ففي الصناعات التي تعتمد على سلاسل إنتاج معقدة قد تكون الحلقة الأصغر هي الأكثر قدرة على تعطيل ما بعدها.