لم تعد الصناعة الصينية تتحرك إلى الأسواق الخارجية في حاويات الشحن فقط، إذ بدأت شركات صينية خلال السنوات الأخيرة بناء مصانع وخطوط إنتاج وشبكات موردين خارج حدود البلاد، بالتزامن مع ارتفاع الرسوم والحواجز التجارية أمام عدد من المنتجات القادمة مباشرة من الصين.
أكثر من 220 مليار دولار استثمارات صينية معلنة في التصنيع الأخضر خارج البلاد منذ 2022
"روديوم": استثمارات قطاع السيارات الكهربائية الصيني في الخارج تجاوزت الاستثمار المحلي لأول مرة في 2024
وتفيد قاعدة بيانات أعدها مختبر سياسات الصناعة للحياد الكربوني بالولايات المتحدة، أن قيمة الاستثمارات التي تعهدت بها شركات صينية في مشروعات التصنيع الأخضر خارج البلاد تجاوزت 220 مليار دولار منذ عام 2022.
وتشير إلى أن تلك الاستثمارات موزعة على 54 دولة، موضحة أنها تشمل البطاريات والطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومركبات الطاقة الجديدة والهيدروجين الأخضر.
وتربط مجموعة "روديوم" للأبحاث بين تسارع بناء قدرات التصنيع الصينية في الخارج وارتفاع الرسوم والحواجز التجارية، إذ تقول في تقرير صدر في يونيو (حزيران) 2026 إن بياناتها تظهر ارتباطاً بين الاثنين.
وتشير المجموعة إلى ما وصفته بـ"الاستثمار المباشر القافز فوق الرسوم"، عبر بناء طاقات إنتاجية في دول تتمتع بترتيبات تجارية أكثر ملاءمة.

السيارات تتقدم
ويظهر التحول بصورة أوضح في صناعة السيارات الكهربائية، إذ أظهرت بيانات "روديوم" التي نقلتها وكالة "رويترز" ارتفاع متوسط الاستثمار الصيني المباشر في الخارج ضمن سلسلة السيارات الكهربائية إلى 30.4 مليار دولار سنوياً بين 2022 و2024، مقابل 8.5 مليارات دولار بين 2018 و2021.
وفي 2024، تجاوز استثمار الشركات الصينية في سلسلة المركبات عديمة الانبعاثات خارج الصين استثماراتها المحلية للمرة الأولى، بعدما كانت نحو 80% من استثمارات القطاع تتجه سابقاً إلى الداخل، بحسب "روديوم".
وتزامن التوسع الخارجي مع تشديد الحواجز أمام السيارات القادمة من الصين، بعدما فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً إضافية على السيارات الكهربائية الصينية.
وفي المجر، تستعد "BYD" لبدء الإنتاج في أول مصانعها الأوروبية للسيارات، فيما نقلت "رويترز" عن مسؤولي الشركة أن التصنيع داخل أوروبا يسمح لها بخدمة السوق المحلية من قاعدة إنتاج أوروبية بدلاً من الاعتماد الكامل على السيارات القادمة من الصين.
ومن أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، بدأت "BYD" الإنتاج في مجمعها الصناعي بولاية باهيا البرازيلية. ويقول مسؤول بالشركة لـ"رويترز" في فبراير (شباط) 2026 إن المجموعة تستهدف رفع نسبة المكونات المنتجة أو الموردة محلياً إلى 50% بحلول يناير (كانون الثاني) 2027، ضمن استثمارات للمرحلة الأولى تبلغ 5.5 مليارات ريال برازيلي، أي نحو 1.1 مليار دولار.

الموردون يتحركون
ولا يقتصر الانتقال على تجميع السيارات، إذ تقول "روديوم" إن الشركات الصينية توسع استثماراتها الخارجية إلى مواد البطاريات ومكونات السيارات والمراحل المختلفة من سلسلة التصنيع، إلى جانب مصانع التجميع النهائية.
وفي المغرب، حصل مشروع تقوده شركة "Gotion High-Tech" الصينية في يوليو (تموز) 2026 على تمويل من البنك الأفريقي للتنمية، ضمن خطة لإنشاء مصنع متكامل لبطاريات فوسفات حديد الليثيوم باستثمار أولي يقارب 1.3 مليار دولار.
وبحسب "رويترز"، يشمل المشروع إنتاج مكونات رئيسية للبطاريات، بينها الكاثود والأنود، مع توجيه جزء كبير من الإنتاج إلى الأسواق الأوروبية.
وفي جنوب شرق آسيا، افتتحت "BYD" مصنعاً بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 ألف سيارة سنوياً في تايلاند خلال يوليو (تموز) 2024، في وقت توسعت فيه استثمارات صينية أخرى بالمنطقة في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية، وفق "رويترز".
ورصدت "روديوم" كذلك انتقال موردين صينيين إلى الأسواق التي أقامت فيها شركات السيارات مصانعها، مشيرة إلى أن توسع إنتاج المركبات في الخارج يترافق في عدد من الدول مع استثمارات في البطاريات والمحركات والمكونات الأخرى.
وتظهر بيانات "روديوم" أن الاستثمار الصناعي الصيني في الخارج لا يزال أصغر من الاستثمار داخل البلاد، لكنه يتحرك بصورة أسرع في قطاعات مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والتكنولوجيا النظيفة، مع زيادة عدد المصانع وشبكات الموردين الصينية التي تعمل خارج الحدود.