بعد سنوات من الإنفاق بأكثر مما تجمعه من الضرائب، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام فاتورة دين باهظة تبلغ 40 تريليون دولار، فيما بدأت سوق السندات ترسل إشارات أكثر حدة بأن تأجيل معالجة الأزمة قد يصبح أكثر كلفة، وفق تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

وجاء التحذير الأحدث من موجة بيع في سوق السندات الأمريكية، رفعت تكاليف اقتراض الحكومة إلى أعلى مستوياتها في نحو عقدين، ودفعت وزارة الخزانة إلى التدخل في محاولة لتهدئة الأسواق.

وبلغ العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عاماً أكثر من 5.27%، ما يعكس مطالبة المستثمرين بعائد أكبر مقابل إقراض الحكومة، في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى تمويل عجز سنوي ضخم عبر إصدار المزيد من الديون.

واشنطن أمام خيارين صعبين

ويرى خبراء أن الرسالة التي تبعث بها الأسواق واضحة: الولايات المتحدة قد تضطر قريباً إلى الاختيار بين رفع الضرائب أو خفض الإنفاق، وهما خياران غير شعبيين سياسياً، لكن استمرار تراكم الدين يجعل تجنبهما أكثر صعوبة.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع اشتداد المنافسة على رؤوس الأموال، إذ لا تتنافس الخزانة الأمريكية مع الحكومات الأخرى فقط، وإنما أيضاً مع الشركات العملاقة التي تقترض لتمويل استثمارات بمليارات الدولارات، خصوصاً في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض، تتضخم فاتورة خدمة الدين بدورها. وتنفق الحكومة الأمريكية حالياً أكثر من تريليون دولار سنوياً على فوائد الدين، متجاوزة ما تنفقه على برنامج "ميديكير"، وفق مكتب الميزانية في الكونغرس، بعدما كانت فاتورة الفوائد في 2010 تقل عن خُمس مستواها الحالي.

ويحذر مارك غولدوين، كبير مديري السياسات في لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، من الاقتراب من "دوامة ديون"، وهي الحالة التي تنمو فيها تكاليف الفائدة بوتيرة أسرع من الاقتصاد، فتضطر الحكومة إلى المزيد من الاقتراض لتغطية أعبائها.

20 تريليون دولار في عقد

وتكشف الأرقام سرعة تحول المشهد المالي الأمريكي. فبين عامي 1789 و2016، اقترضت الحكومة ما يزيد قليلاً على 19 تريليون دولار، بينما أضافت إدارتا دونالد ترامب وجو بايدن خلال العقد الأخير نحو 20 تريليون دولار أخرى، ما أدى إلى تضاعف الدين تقريباً، وفق "رويترز". 

وبحسب "واشنطن بوست"، يأتي ذلك ضمن موجة ديون عالمية أوسع، إذ بلغ إجمالي الدين العالمي مستوى قياسياً عند 353 تريليون دولار هذا العام، أي أكثر من ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد العالمي، بعدما كثفت الحكومات الاقتراض لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.

الدين الأمريكي يلامس 40 تريليون دولار وسط ارتفاع كلفة التمويل - موقع 24 تقترب ديون الولايات المتحدة من تجاوز حاجز 40 تريليون دولار، في وقت تواجه فيه واشنطن كلفة متزايدة لتمويل عجز الموازنة وإعادة تمويل الديون المستحقة، مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى لشراء السندات الحكومية طويلة الأجل، وفق تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

لكن ارتفاع العوائد يبدو أكثر خطورة على الولايات المتحدة اليوم مقارنة بتسعينيات القرن الماضي. في 1997، كان عائد سندات الثلاثين عاماً يدور حول 6%، لكن الاقتصاد كان ينمو بوتيرة أسرع بكثير، فيما كان الدين مقارنة بحجم الاقتصاد أقل من نصف مستواه الحالي.

ولا تتوقف المخاطر عند المالية العامة، إذ يمكن لارتفاع العوائد أن يكشف نقاط ضعف داخل النظام المالي. وقد حدث ذلك في 2023 عندما ساهمت خسائر السندات المرتبطة بارتفاع الفائدة في انهيار "سيليكون فالي بنك"، فيما يشير الاحتياطي الفيدرالي حالياً إلى ارتفاع مستويات الاقتراض لدى بعض صناديق التحوط الكبرى.

فاتورة مؤجلة

ويقدر مكتب الميزانية في الكونغرس وصول عجز الموازنة الأمريكية إلى مستوى قياسي يبلغ 2.1 تريليون دولار هذا العام، ما يزيد الضغوط على إدارة ترامب لإقناع المستثمرين بأنها قادرة على ضبط المالية العامة.

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن "الإدارة ستكثف تركيزها على أوضاع المالية العامة، بما يشمل دراسة جانبي الإيرادات والنفقات".

تحت وطأة الرسوم.. الاستثمارات الألمانية في أمريكا تتراجع 80% عن 2024 - موقع 24خفضت الشركات الألمانية استثماراتها المباشرة في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى في ثلاثة أعوام خلال النصف الأول من 2026، وسط حالة من عدم اليقين غذتها السياسات التجارية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بين الشريكين عبر الأطلسي، وفقاً لوكالة "رويترز".

الخبراء يرون أن معالجة المشكلة في النهاية ستتطلب مزيجاً من زيادة الضرائب وخفض الإنفاق، بما في ذلك برامج شعبية مثل الضمان الاجتماعي و"ميديكير". وتزداد حساسية الملف قبل انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس في نوفمبر(تشرين الثاني)، ما يجعل اتخاذ قرارات غير شعبية أكثر صعوبة.

وبحسب "واشنطن بوست"، فإن الخطر لا يعني بالضرورة إفلاس الحكومة الأمريكية أو تخلفها عن السداد، لكنه قد يظهر في صورة تكلفة معيشة أعلى وفوائد أكثر ارتفاعاً وضغوط متزايدة على الاقتصاد والموازنة.