فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 50% على بضائع كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، في تصعيد تجاري يضغط على قطاعات صناعية متعددة، ويدفع الشركات التي تعتمد على السوق الأمريكية إلى إعادة تقييم جدوى استمرار بعض عمليات التصنيع في كندا.

انهارت المفاوضات التجارية بين واشنطن وأوتاوا في 21 أغسطس (آب) 2026، بعد تعثر الجهود للتوصل إلى اتفاق تجاري بين البلدين، لتفرض واشنطن في اليوم التالي رسوماً جمركية بنسبة 50% على بضائع كندية بقيمة نحو 20 مليار دولار. وردت أوتاوا بفرض رسوم مقابلة "دولار مقابل دولار"، تدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر (أيلول) المقبل.

كارني يواجه اختباراً حاسماً بعد انهيار المفاوضات مع ترامب - موقع 24​دخلت العلاقات الكندية- الأمريكية نفقاً مظلماً، فالحليفان اللذان طالما ارتبطا بشراكة اقتصادية وتجارة حرة لعقود، يدخلان اليوم حرباً تجارية متصاعدة تفتقر إلى أي منفذ للحل. 

وفق تقارير نشرتها وكالات وصحف عالمية، بينها رويترز، وبلومبرغ، و"واشنطن بوست"، انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ممارسة كندا "معاملة تمييزية" ضد المنتجات الأمريكية، ليتحول هذا التسلسل السريع للأحداث إلى أزمة اقتصادية شاملة طالت قطاعات عدة، تصدرتها شركات المشروبات الكحولية ومنتجات الألبان الكندية.

السيارات

وأوضحت بلومبرغ وشبكة "سي إن بي سي" أن قطاع السيارات يعاني ارتباكاً شديداً، بسبب تداخل سلاسل الإمداد، إذ تعبر قطع الغيار الحدود عدة مرات قبل إنتاج السيارة النهائية.

وتواجه شركات مثل "ماغنا إنترناشونال" و"لينامار" ضغوطاً على هوامش أرباحها بسبب اعتمادها الكبير على السوق الأمريكية، في ظل تداخل سلاسل الإمداد بين البلدين.

كما تواجه شركات عالمية، كـ"جنرال موتورز" و"فورد" و"تويوتا" و"هوندا"، التي تمتلك مصانع ضخمة في مقاطعة أونتاريو، تكاليف باهظة عند نقل سياراتها أو أجزائها إلى داخل الولايات المتحدة.

الأخشاب والمعادن

وبحسب تحليلات رويترز، تدير مجموعة "ريو تينتو" البريطانية - الأسترالية عمليات صهر ألومنيوم ضخمة في مقاطعتي كيبك وكولومبيا البريطانية، وتُعد مصدراً رئيسياً للألومنيوم للمصانع الأمريكية، فيما تتأثر شركتا "وست فريزر" و"كانفور"، من أكبر منتجي الأخشاب واللب الورقي في كندا، بوصفهما موردين أساسيين لقطاع البناء الأمريكي.

كما ذكر موقع "بيزنس إنسايدر" أن الرسوم طالت سلعاً استهلاكية شهيرة، من بينها ملابس شركة "كندا غوس" الشتوية الفاخرة، ومعدات الهوكي المصنعة محلياً في كندا، بينما نجت العلامات التي تصنع منتجاتها في آسيا.

تهديد شركات أمريكية أيضاً

وبحسب موقع "بوليتيكو"، فإن "الرسوم الانتقامية" الكندية ستضرب بدورها شركات أمريكية كبرى مصدرة إلى كندا، أبرزها شركات الأجهزة المنزلية والإلكترونيات، كـ"ويرلبول" و"جنرال إلكتريك"، وشركات المعدات الصناعية والزراعية، كـ"جون دير" و"كاتربيلر".

ما مصير "كيبيك" بعد اشتعال الحرب التجارية بين أمريكا وكندا؟ - موقع 24انهارت المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، الجمعة، مما أدى إلى فرض مجموعة جديدة من التعريفات الجمركية بنسبة 50% من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجاء الرد الكندي سريعاً، حيث أعلن رئيس الوزراء مارك كارني "الرد بالمثل" على واشنطن.

ما البدائل؟

أمام هذا الواقع، قد تدفع الرسوم المرتفعة الشركات المتضررة إلى إعادة توزيع بعض عملياتها التصنيعية وسلاسل إمدادها خارج كندا، أو زيادة الإنتاج في منشآت قائمة في دول أخرى، بحسب طبيعة كل قطاع وتكلفة الانتقال:

1- المكسيك

تبرز الدولة الجارة لأمريكا كالبديل الأول والأبرز، خصوصاً لقطاع السيارات، إذ تظل جزءاً من شبكة التجارة في أمريكا الشمالية، وتمتلك شركات عالمية، كـ"جنرال موتورز" و"تويوتا" و"ماغنا"، بنية تحتية ومصانع ضخمة فيها بالفعل. 

ويمثل انخفاض تكاليف العمالة أحد عوامل جاذبية المكسيك، إلى جانب قربها من السوق الأمريكية وارتباطها الوثيق بسلاسل الإنتاج في أمريكا الشمالية.

كما توفر المكسيك برامج وحوافز للتصنيع الموجه إلى التصدير، من بينها برنامج "IMMEX"، الذي يتيح للشركات المؤهلة مزايا جمركية وضريبية على مدخلات الإنتاج المستوردة وفق شروط محددة.

2- آسيا 

وبالنسبة لشركات الملابس والسلع الاستهلاكية والمعدات الرياضية، كـ"كندا غوس"، تبرز فيتنام وتايلاند وإندونيسيا كبدائل جاهزة، بفضل سلاسل توريد مرنة وأنظمة تصنيع منخفضة التكلفة مخصصة للتصدير، بعيداً عن الصراع المباشر بين واشنطن وأوتاوا.

3- أوروبا

أما بالنسبة لشركات المشروبات والأغذية الكبرى، فقد تلجأ الشركات متعددة الجنسيات إلى نقل حصص إنتاجها إلى فروعها في أوروبا، كالمملكة المتحدة أو إيرلندا أو فرنسا، حيث قد تستفيد بعض الشركات من ترتيبات تجارية وجمركية مختلفة مع السوق الأمريكية، بحسب المنتج وقواعد المنشأ المطبقة عليه.

4- التوطين داخل أمريكا

وبحسب "واشنطن بوست"، يظل الهدف الأساسي من سياسة ترامب الجمركية إجبار الشركات على نقل مصانعها إلى داخل الولايات المتحدة، إذ قد تضطر شركات أجنبية، كـ"ديادجيو" أو شركات الألومنيوم، لتأسيس مصانع تعبئة أو صهر داخل الحدود الأمريكية لتجنب الرسوم الجمركية.

ورغم ارتفاع تكلفة الإنتاج والعمالة في الولايات المتحدة، فإن تجنب الرسوم الجمركية قد يجعل التصنيع المحلي أكثر جاذبية لبعض الشركات على المدى الطويل، خصوصاً تلك التي تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأمريكية.

وتتنافس ولايات أمريكية، خصوصاً في الجنوب والوسط، كتكساس وتينيسي وأوهايو، بتقديم حوافز شرسة لجذب هذه الاستثمارات، من بينها الإعفاء من ضريبة دخل الشركات، وائتمانات ضريبية مقابل كل وظيفة جديدة تُوفَّر للعمالة المحلية، وإعفاءات من ضرائب الممتلكات والمعدات الرأسمالية لمدد تصل إلى 10 أعوام، إضافة إلى منح مجانية لتدريب العمالة الجديدة.

حرب الرسوم.. ترامب يرفض الرد الكندي ويصعّد لهجته ضد أوتاوا - موقع 24صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه كندا، الأحد، عقب إعلان أوتاوا فرض رسوم جمركية مقابلة على واردات أمريكية، في أعقاب انهيار المفاوضات التجارية بين البلدين.

فاتورة نقل باهظة

لكن نقل الإنتاج من كندا ليس قراراً منخفض التكلفة، إذ يتطلب إنشاء أو توسيع منشآت جديدة، ونقل المعدات وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد، فضلاً عن تكاليف إنهاء العقود وتسريح العمالة وتوظيف وتدريب موظفين جدد.

وترتفع هذه التكلفة بصورة كبيرة في الصناعات الثقيلة، مثل السيارات والتعدين والألومنيوم، التي تعتمد على منشآت ومعدات متخصصة يصعب نقلها أو استبدالها بسرعة.

كما تفرض عملية الخروج من السوق الكندية التزامات مالية صارمة، من مكافآت نهاية خدمة وتعويضات تسريح العمالة، إلى غرامات كسر عقود الإيجار والشراكات طويلة الأجل، إضافة إلى تكاليف توظيف وتدريب العمالة الجديدة.

ويقدر محللو بلومبرغ أن "التكلفة الإجمالية لنقل مصنع متوسط الحجم تتراوح بين 15 و35 مليون دولار، بينما تقفز هذه الكلفة في الصناعات الثقيلة، كالسيارات والتعدين والألومنيوم، لتتراوح بين 300 مليون دولار وأكثر من مليار دولار".

عقبات زمنية

وتشير تقارير بلومبرغ إلى أن عملية الانتقال ليست سهلة، ومن المرجح أن تستغرق ما بين 6 أشهر وسنتين بالنسبة للشركات الكبرى، نظراً لأن نقل الآلات الثقيلة، وإعادة بناء المصانع، وتدريب العمالة الجديدة في الدول البديلة، يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، ما يدفع بعض الشركات لتحمل الرسوم مؤقتاً، أو تمرير التكلفة إلى المستهلك الأمريكي في الوقت الراهن.