تتجه أنظار وول ستريت والأسواق الأمريكية بترقب شديد نحو الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر 2026، والتي يفصلنا عنها نحو 10 أسابيع فقط.
ويأتي الاهتمام الاستثنائي وسط توقعات قوية بخسارة الحزب الجمهوري، حزب الرئيس دونالد ترامب، لغالبيته في الكونغرس لصالح الحزب الديمقراطي.
ودفع هذا السيناريو المحتمل الصناديق الاستثمارية والمؤسسات المالية الكبرى إلى إعلان حالة الاستنفار، لتقييم تداعيات هذا التحول السياسي على السياسات الضريبية، وأزمات سقف الدين، ومستقبل أسواق الأسهم والسندات.
رياح التغيير في واشنطن
بعد عامين من السيطرة الجمهورية الكاملة على البيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه، تُظهر استطلاعات الرأي ومنصات التوقعات السياسية مثل FiftyPlusOne) تقدم الديمقراطيين بنحو 6 نقاط مئوية في التصويت العام.
ووفقاً لتقارير بنوك الاستثمار الكبرى، فإن السيناريو الأساسي المرجح للأسواق الآن هو العودة إلى سيناريو "الحكومة المنقسمة" (Divided Government)، حيث يُتوقع على نطاق واسع أن يستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، بينما تظل المنافسة محتدمة بشدة في مجلس الشيوخ مع أفضلية نسبية للحفاظ على التوازن.
وتاريخياً، تميل الأسواق إلى تفضيل الانقسام السياسي في واشنطن لأنه يمنع إقرار القوانين المتطرفة أو التغييرات الراديكالية في النظام الضريبي والإنفاق العام. ومع ذلك، فإن الطبيعة الخاصة لإدارة الرئيس ترامب تجعل من هذا الانقسام مصدراً لنوع جديد من المخاطر والتقلبات التي لم تعهدها الأسواق في دورات انتخابية سابقة.
رؤية المؤسسات المالية
أجمعت المؤسسات المالية الدولية الكبرى وبنوك الاستثمار في وول ستريت على أن هذه الانتخابات ستكون نقطة تحول محورية في مسار الأسواق خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية.
ويؤكد بنك غولدمان ساكس أن مخاوف السوق لا تتعلق فقط بالنتيجة النهائية، بل بـ "مستوى عدم اليقين" الذي يسبق عملية التصويت.
ويوضح البنك في مذكرة لعملائه أن مؤشر تقلبات الأسهم مرشح للارتفاع الحاد مع اقتراب شهر سبتمبر.
وحسب البيانات التاريخية التي رصدها البنك، فإن مؤشر S&P 500 يميل إلى التحرك بشكل عرضي (راكد) في الفترة من أغسطس وحتى يوم الانتخابات، بانتظار وضوح الرؤية السياسية قبل أن يبدأ رحلة صعود قوية بعد صدور النتائج واستيعاب الأسواق للخارطة التشريعية الجديدة.
من جانبه يرى مورغان ستانلي ،أن ملف "القدرة على تحمل التكاليف" والتضخم يقع في قلب المعركة الانتخابية الحالية. ومع مواجهة الأسر الأمريكية لضغوط تضخمية مستمرة -غذّتها جزئياً النزاعات الجيوسياسية الأخيرة وارتفاع أسعار الطاقة- فإن الحزب الحاكم (الجمهوري) يواجه تحدياً شرساً للحفاظ على مقاعده في الدوائر الانتخابية المتأرجحة.
ويلفت البنك الانتباه إلى أن الانقسام القادم في الكونغرس سيعيد توجيه مكاسب القطاعات؛ حيث ستستفيد قطاعات التكنولوجيا، والدفاع، والخدمات المالية، في حين ستخضع قطاعات الرعاية الصحية، والطاقة، وصناديق الملكية الخاصة لرقابة تشريعية دقيقة ومشددة من اللجان التي سيرأسها الديمقراطيون.
وأظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز لآراء أكثر من 46 استراتيجياً في وول ستريت أن الأسواق قد تشهد عمليات تصحيح أو جني أرباح مؤقتة بعد عطلة عيد العمال الأمريكي مع تركيز المستثمرين الكامل على ملف الانتخابات.
ومع ذلك، يتوقع المحللون أن ينهي مؤشر S&P 500 عام 2026 مكاسبه مدعوماً بقوة أرباح الشركات والاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
التهديدات الكبرى
تواجه الأسواق ثلاثة تحديات رئيسية ومباشرة إذا تغيرت السيطرة السياسية في الكونغرس، حيث تبرز أزمة سقف الدين الفيدرالي كأكبر تهديد للاستقرار المالي، إذ إن وجود أغلبية ديمقراطية في مواجهة رئيس جمهوري يعزز احتمالات حدوث صدام سياسي طويل ومعقد حول رفع السقف، مما يهدد بدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى على سندات الخزانة قصيرة الأجل خوفاً من التخلف الفني عن السداد، وهو ما سيرفع تكلفة الاقتراض العام والخاص.
بالتوازي مع ذلك، يتوقع الخبراء في معهد رايموند جيمس للسياسات أن يؤدي فقدان الغطاء التشريعي إلى تزايد الاعتماد على القرارات التنفيذية المتقلبة، حيث ستلجأ الإدارة الأمريكية إلى المراسيم الرئاسية الفردية لتمرير سياساتها في ملفات التجارة والتعرفات الجمركية والعقوبات، وهي خطوات تتسم بالفجائية وتخلق بيئة عمل غير مستقرة للشركات متعددة الجنسيات.
وأخيراً، يتعرض سوق السندات لضغوط تضخمية متزايدة نظراً لعدم نجاح السياسات الحالية في السيطرة الكاملة على الفائدة أو كلفة المعيشة، ومع تجاوز أسعار الفائدة على التمويل العقاري حاجز 6.6%، فإن أي شلل تشريعي مرتقب سيقلص مرونة الحكومة المالية في معالجة الاختلالات الهيكلية للموازنة.
توقعات المرحلة المقبلة
تؤكد المؤشرات المجمعة من كبرى المؤسسات المالية العالمية أن الأسواق الأمريكية لن تظل ساكنة خلال الأسابيع العشرة المقبلة؛ بل ستتحرك الأسهم والسندات بشكل نشط على وقع استطلاعات الرأي اليومية.
ورغم أن التاريخ يعلم المستثمرين في وول ستريت أن "الوضوح" الذي يعقب يوم الاقتراع غالباً ما يعيد الثقة والزخم التصاعدي للأسواق بغض النظر عن الحزب الفائز (حيث حقق مؤشر S&P 500 متوسط صعود تاريخي يقارب 15.4% في العام الذي يلي الانتخابات النصفية)، إلا أن هذه الدورة تحمل طابعاً خاصاً.
فالصراع القادم بين إدارة ترامب والكونغرس المنقسم المحتمل سيعني أن الاستقرار المالي الأمريكي سيكون على المحك عند أول اختبار حقيقي يتعلق بسقف الدين الفيدرالي، وهو ما يجعل المستثمرين يرفعون درجات الحذر والتحوط إلى مستويات قصوى منذ الآن.