أصبحت تكاليف الاقتراض المتزايدة مصدر قلق لوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، لكن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تواجه التداعيات المحتملة لارتفاع الدين الحكومي، والتي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".
وبلغت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025، بينما وصلت عوائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى لها في 30 عاماً.
وارتفعت عوائد السندات الألمانية والفرنسية إلى مستويات لم تُشهد منذ عامي 2011 و2008 على التوالي، في حين بلغت عوائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً مستويات لم تُشهد منذ 1998.
وقالت ريبيكا باترسون، وهي زميلة بارزة في مجلس العلاقات الخارجية: "جميع الدول لديها عجز وديون كبيرة ومتزايدة. جميعها تواجه تحديات في القدرة على تحمل التكاليف. جميعها لديها شعوب قلقة بشأن ذلك" .
عائد السندات يقارب 4.8%.. لماذا يعجز ترامب عن خفض كلفة الدين؟ - موقع 24تواجه السياسة المالية الأمريكية تحدياً معقداً للسيطرة على كلفة الدين العام، في ظل ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 أعوام.
تعكس عوائد السندات سعر الفائدة الذي يطلبه المستثمرون عند شراء وحفظ سندات الدين الحكومية، التي تُصدر في الولايات المتحدة كسندات خزانة.
وتعد عوائد سندات الخزانة بمثابة نقاط مرجعية لأسعار الفائدة في مختلف قطاعات الاقتصاد، ما يجعل ارتفاع عوائد السندات قد يعني ارتفاع أسعار الفائدة للشركات والمستهلكين الذين يشترون السيارات ويحصلون على قروض عقارية.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، يعكس ارتفاع العائدات اليوم عدة عوامل، من بينها توقعات باستمرار التضخم على المدى الطويل، والذي يعود جزئياً إلى ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الحرب على إيران.
وتعود كذلك إلى الطلب الكبير على السيولة النقدية من قبل مشاريع الذكاء الاصطناعي في القطاع الخاص، والتي تتنافس مع الحكومة على جذب المستثمرين.
تجعل كل هذه العوامل السندات الحكومية أقل جاذبية، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى.
وتقول الصحيفة: "تتراكم الديون في الاقتصادات الكبرى حول العالم لأنها تنفق أكثر مما تجنيه من إيرادات، ففي الولايات المتحدة، تبلغ نسبة الدين الفيدرالي إلى الناتج المحلي الإجمالي 122%.".
وتضيف: "تضاعفت هذه النسبة أكثر من مرتين منذ 2000، مدفوعة بالإنفاق على الحروب، والأزمة المالية لعام 2008، وجائحة كوفيد-19، والعديد من جولات التخفيضات الضريبية الكبيرة".
وبحسب الصحيفة، ستتجاوز مدفوعات الفائدة هذا العام تريليون دولار، أي أكثر من الإنفاق على برنامج الرعاية الصحية الحكومي (ميديكيد) أو الدفاع الوطني.
قالت مايا ماكغينيس، رئيسة مجلس الميزانية الفيدرالية: "أي زيادة في أسعار الفائدة على السندات لها تداعيات خطيرة على الميزانية الفيدرالية".
وأضافت أنه "نظراً لارتفاع مدفوعات الفائدة أصلاً، فحتى الزيادات الطفيفة في تكلفة الاقتراض تؤدي إلى زيادات كبيرة في مدفوعات الفائدة".
في الشهر الماضي، سعى بيسنت إلى إبطاء ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية من خلال مضاعفة حجم برنامج إعادة شراء الديون الحكومية، ما أدى إلى انخفاض مؤقت في العوائد، لكنها سرعان ما عادت للارتفاع.
كما تدخل لدعم الين الياباني المتعثر لمساعدة اليابان، أكبر حائز أجنبي للديون الأمريكية، على تجنب بيع سندات الخزانة.
كيف تعيد السندات اليابانية رسم خريطة الأموال العالمية؟ - موقع 24عقب 3 عقود من الانخفاض التاريخي لمعدلات الفائدة في اليابان، تعيش الأسواق المالية العالمية لحظة تحول فارقة، فالأموال الضخمة التي ظلت لعقود تغادر البنوك اليابانية بحثاً عن عوائد مجدية في أمريكا وأوروبا، لن تغادر طوكيو مجدداً، في مشهد يعيد تشكيل حركة تدفقات رؤوس الأموال عبر القارات.
في الشهر الماضي، شدد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، على ضرورة التصدي للتضخم المستمر، الذي تجاوز هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لأكثر من خمس سنوات.
وفسر المستثمرون على نطاق واسع خطاب وارش في "جاكسون هول"، وايومنغ، على أنه إشارة إلى قرب رفع سعر الفائدة.
وتقول الصحيفة الأمريكية: "قد تساعد أسعار الفائدة المرتفعة في وقف عمليات بيع سندات الخزانة لأجل 10 و 30 عاماً؛ من خلال الإشارة إلى المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي جاد في إبطاء التضخم على المدى الطويل، على الرغم من أنها ستعزز عوائد السندات قصيرة الأجل".
مع ذلك، يواصل ترامب الضغط علناً على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد لخفض أسعار الفائدة.
وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الجمعة احتفالًا بأرقام التوظيف القوية لشهر أغسطس (آب)، قال ترامب إنه سيوقف التبادل التجاري مع أي دولة لديها عجز تجاري مع الولايات المتحدة إذا لم يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.
كتب ترامب على منصته "تروث سوشيال": "اخفضوا أسعار الفائدة لأن الولايات المتحدة تتمتع بوضع ائتماني أقوى بكثير مما كانت عليه قبل فترة وجيزة. يجب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة رئيسه الجديد، أن يتحلى بالحكمة، وأن يكون وطنياً هذه المرة".
وقال موريس أوبستفيلد، وهو زميل بارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، وهي منظمة بحثية غير حزبية، إن الرسائل المتضاربة تخلق "وضعاً متقلباً محتملاً" لأسواق سندات الخزانة.
وأضاف: "يعتمد الكثير على الاحتياطي الفيدرالي. إنه عامل رئيسي. هل سيقف الاحتياطي الفيدرالي في وجه الرئيس ويفعل الصواب؟"
أكد بيسنت، خلال قمة وزراء مالية مجموعة العشرين الأسبوع الماضي، أن النمو الاقتصادي الأمريكي "يتسارع مجدداً"، مشيراً إلى انخفاض توقعات التضخم مقارنة ببداية هذا العام، وارتفاع الإنفاق في القطاع الخاص، وزيادة أرباح الشركات .
ورأى أن حملة إدارة ترامب لتقليص اللوائح الفيدرالية وخفض الضرائب على الشركات تُقدّم نموذجاً للدول الأخرى لحل مشكلات ديونها.
قال بيسنت مع بداية القمة: "العالم غارق في الديون. والطريقة الوحيدة للخروج من هذا الوضع هي أن ننمو ونتخلص من هذه المشكلة".
لكن حتى الآن، ساهمت تخفيضات ترامب الضريبية وسياساته الأخرى في زيادة الدين العام.
ومن المتوقع أن يتطلب قانون "القانون الشامل والجميل" الذي أصدره اقتراضاً إضافياً بقيمة 4.7 تريليون دولار على مدى العقد المقبل، إضافةً إلى دين يبلغ حالياً 40 تريليون دولار.
قال العديد من المحللين، إنه بدون اتخاذ إجراءات لخفض عجز الميزانية، فمن المتوقع أن تنفق الولايات المتحدة هذا العام وحده 2 تريليون دولار أكثر مما تجنيه، فمن المرجح أن تستمر أسعار الفائدة المرتفعة في إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات ذات المديونية العالية، مضيفين أن النمو الاقتصادي وحده من غير المرجح أن يحل المشكلة.