تُرسي زيارة الدولة الحالية للشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى ألمانيا أبعاداً جديدة لنمط التحالفات الاقتصادية العابرة للقارات، متجاوزةً المفهوم النمطي للمبادلات التجارية التقليدية.
فخلف الرمزية البروتوكولية وجدول الأعمال السياسي المعلن للمباحثات مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، يتحرك الطرفان لتنفيذ استراتيجية إعادة توزيع هيكلية لعناصر الإنتاج والمزايا التنافسية، تعتمد على ربط المعرفة الهندسية والسيادة التكنولوجية لأكبر اقتصاد في القارة الأوروبية، بالقدرات التمويلية المرنة والمشاريع الرقمية والمنصات اللوجستية المفتوحة لدولة الإمارات.
ويتجسد التحول الجيواقتصادي في صياغة شراكات نوعية تركز على قطاعات الابتكار عالي القيمة، والطاقة المستقبلية، وتوطين المعرفة الصناعية عبر مسارات محددة.
النواة الصلبة للاقتصاد
وتبدأ أولى خطوات هذا التوطين من عمق النسيج الهندسي الألماني، وتحديداً عبر قطاع الشركات العائلية المتوسطة والصغيرة، المعروفة بـ(Mittelstand)، والتي تشكل النواة الصلبة للاقتصاد وتتوارى عادةً خلف وهج المجموعات الكبرى المدرجة في مؤشر "داكس" مثل "سيمنس" أو "باسف".
زيارة محمد بن زايد تفتح فصلاً جديداً في الشراكة الإماراتية الألمانية - موقع 24أكد محمد أحمد المحمود سفير دولة الإمارات السابق لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية، أن زيارة دولة التي يقوم بها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، تمثل خطوة جديدة ومهمة في تاريخ العلاقات بين البلدين، فمنذ إعلان الشراكة الاستراتيجية وتكثيف الزيارات والتعاون المؤسسي ...
تأتي أهمية ربط هذا القطاع بالاستراتيجية المشتركة، في وقت تواجه فيه هذه الشركات ضغوطاً تشغيلية متزايدة ناتجة عن كلف الطاقة المتغيرة والتحولات الرقمية المتسارعة، وهو ما دفع الصناديق السيادية الإماراتية، وفي مقدمتها شركة "مبادلة"، إلى ضخ رؤوس أموال استثمارية مرنة للاستحواذ على حصص أقلية مؤثرة في هذه المصانع المتخصصة.
ولا ينحصر الهدف الأساسي هنا في جني أرباح مالية سريعة، بل في ربط خطوط الإنتاج الدقيقة والخبرات المهنية التراكمية بالمدن الصناعية الناشئة في الإمارات، ما يمنح المصانع الألمانية قاعدة تشغيل وتصدير مستقرة وممتدة باتجاه الأسواق الناشئة في آسيا وإفريقيا.
ويتوازى هذا التحرك مع مساعي الطرفين لبناء قطب تكنولوجي مستقل في صناعة الذكاء الاصطناعي وصناعات المستقبل؛ حيث تمتلك الإمارات اليوم، عبر أذرعها البحثية مثل مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، بنية حوسبية فائقة وقدرة مالية ضخمة تؤهلها للمنافسة عالمياً.
في المقابل، تسعى ألمانيا جاهدة لتتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي وحلول بيانات صناعية لا تخضع بالكامل للهيمنة الأمريكية أو الصينية. وتأتي اللقاءات الحالية لتطرح ملامح تحالف تقني مشترك، يدمج القدرات الحسابية والتمويلية المرنة لأبوظبي مع العمق الأكاديمي وخبرات الهندسة البصرية والنظم الدقيقة لبرلين، مستهدفاً توفير منصة تكنولوجية مستقلة تخدم القطاعات الطبية والصناعية في كلا البلدين، بعيداً عن احتكار تكتلات التكنولوجيا الكبرى العابرة للقارات.
مجال الطاقة
أما على صعيد الطاقة، فتركز المباحثات على رؤية عملية مغايرة تعتمد على تقسيم عمليات الإنتاج بدلاً من تحمل الكلفة اللوجستية العالية لنقل وتسييل الهيدروجين الأخضر عبر البحار، والتي تثير تساؤلات مستمرة حول جدواها الاقتصادية الفورية لإنقاذ الصناعات الألمانية الثقيلة كالصلب والكيماويات.
ويتمثل هذا التوجه الجديد في نقل المراحل الأولية الكثيفة الاستهلاك للطاقة من المصانع الألمانية إلى دولة الإمارات، للاستفادة من وفرة وكفاءة كلفة الطاقة الشمسية والنووية السلمية محلياً.
وبمجرد إنتاج المواد نصف المصنعة، يتم شحنها إلى ألمانيا لإتمام العمليات الهندسية النهائية فائقة الدقة، وهو نموذج يعيد صياغة سلاسل التوريد الدولية عبر الاستغلال الأمثل للمزايا الطبيعية والبيئية لكل طرف.
ويمتد هذا التنسيق إلى ملف مرونة سلاسل الإمداد الدفاعية من خلال صياغة شراكة تكاملية بين البرمجيات والمنصات؛ إذ تواجه الميزانيات الدفاعية الألمانية تحديات تتعلق ببطء الدورات التنظيمية والإنتاجية للمصانع العسكرية الأوروبية في تلبية الطلبيات العاجلة.
وتفتح النقاشات الجارية الباب أمام صياغة مشاريع إنتاج دفاعي مشترك بين البلدين، بحيث يتم تزويد المنصات والآليات غير المأهولة والأنظمة الذكية التي تُنتج بكلفة تنافسية وسرعة عالية في أبوظبي، بأنظمة الاستشعار، والتتبع، والبرمجيات المتقدمة المطورة في ألمانيا، مما يمنح الطرفين مرونة عالية في تأمين احتياجاتهما الأمنية والمنافسة في أسواق التصدير العالمية.
وفي سياق متصل، يوظف النموذج الثنائي عالي الكفاءة كرافعة سياسية واقتصادية لتحريك الاتفاقيات الجماعية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، لا سيما وأن الزيارة تتزامن مع ترتيبات القمة الخليجية الأوروبية.
ولطالما عانت مفاوضات التجارة الحرة الشاملة بين التكتلين من جمود إداري ممتد منذ سنوات في أروقة المفوضية الأوروبية ببروكسل. وتستغل الإمارات علاقاتها المتينة مع برلين، باعتبارها المحرك الاقتصادي والسياسي الأقوى داخل الاتحاد الأوروبي، لخلق قوة ضغط تدفع باتجاه تسهيل التبادل التجاري. إن نجاح ألمانيا في تحريك هذا الملف سيعود بنفع مباشر وفوري على أكثر من ألفي شركة ألمانية تعمل في الإمارات، حيث سيتاح لها النفاذ إلى أسواق الخليج والمحيط الهندي دون عوائق جمركية أو قيود بيروقراطية معقدة.
مصالح مشتركة
وتظهر خريطة المصالح المشتركة أن الترابط بين البلدين يقود إلى تكامل جوهري بين المميزات النسبية لكل طرف؛ فبينما تقدم دولة الإمارات وفرة في الطاقة النظيفة منخفضة التكلفة، وقدرات تمويلية استثمارية جريئة، وبنية تحتية رقمية وحوسبية فائقة السرعة، إلى جانب منصة لوجستية مفتوحة على أسواق آسيا وإفريقيا، ترفد جمهورية ألمانيا هذا التحالف بعمق أكاديمي وبحثي عريق، وريادة عالمية في الهندسة والنظم الصناعية الدقيقة، مع نفوذ سياسي وتجاري واسع داخل الاتحاد الأوروبي.
محمد بن زايد في ألمانيا.. أبرز محطات "زيارة الدولة" - موقع 24تدفع زيارة الدولة التي بدأها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى ألمانيا بالعلاقات بين البلدين نحو مرحلة أكثر شمولاً، وفق ما أُعلن عن جدول أعمالها الذي يجمع بين توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتقني، وتعزيز الشراكة في مجالات الطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي، وتنسيق الجهود بشأن ...
وفي المحصلة النهائية، لا تبدو زيارة رئيس دولة الإمارات إلى برلين مجرد جولة دبلوماسية روتينية للاحتفاء بعلاقات تاريخية ممتدة لخمسة عقود، بل هي عملية إعادة تموضع جيواقتصادي مدروس في عالم متعدد الأقطاب.
ففي الوقت الذي تتطلع فيه برلين إلى ضمان استدامة تفوقها الصناعي وتأمين خطوط إمداد مرنة، تجد أبوظبي في القدرات الهندسية الألمانية الشريك المثالي لتسريع وتيرة تحولها نحو اقتصاد قائم على المعرفة والسيادة التكنولوجية العميقة.