ارتفع إجمالي رصيد الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي الإماراتي إلى مستوى 2.3 تريليون درهم تقريباً (618.57 مليار دولار) في نهاية يوليو (تموز) الماضي، بنمو نسبته 13.17%، مقارنة مع رصيده في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

ويظهر تحليل خاص لـ"24" استناداً إلى أحدث الإحصائيات الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي ارتفاع حصة الأصول الأجنبية من إجمالي أصول القطاع المصرفي من 37.6%  في نهاية العام 2025 إلى 40.1%  مع نهاية يوليو 2026. ويعكس النمو الكبير في الأصول الأجنبية إعادة تموضع استراتيجي للمؤسسات المالية الإماراتية نحو الأسواق الدولية. 

تقييمات إيجابية من كبرى المؤسسات المالية الدولية

ويأتي هذا التوجه مدعوماً بتقييمات إيجابية من كبرى المؤسسات المالية الدولية، التي أكدت أن  التوسع الخارجي يبرهن على نجاح البنوك في استغلال أموالها الفائضة بالشكل الأمثل، كما يعكس قوة الاقتصاد الوطني وقدرته على جذب استثمارات ورؤوس أموال ضخمة تزيد عن حاجة السوق المحلية في الوقت الحالي.

قفزة رقمية متصاعدة

وتشير القراءة التحليلية  التفصيلية لبيانات المصرف المركزي إلى أن مسار صعود الأصول الأجنبية للبنوك اتخذ وتيرة شهرية متصاعدة بشكل مستمر من دون أي تراجع؛ إذ سجل شهر يناير(كانون الثاني) 2026 رصيداً قدره 2.064 تريليون درهم (562.27 مليار دولار)، ليرتفع في فبراير إلى 2.085 تريليون درهم (567.70 مليار دولار). 
وبلغ النمو ذروته الشهرية خلال شهر مارس(آذار) 2026 عندما قفز الرصيد بمعدل شهري تجاوز 4% ليصل إلى 2.172 تريليون درهم  (591.44 مليار دولار)، وتابع الصعود في أبريل(نيسان) مسجلاً 2.179 تريليون درهم  593.30 مليار دولار)، تلاه قفزة أخرى في مايو(أيار) بلغت 2.244 تريليون درهم (611.26 مليار دولار)، ثم 2.254 تريليون درهم (613.71 مليار دولار) في يونيو ليرسخ حصته النسبية عند أعلى مستوى لها خلال الفترة بنحو 40.3%، قبل أن تستقر  النسبة عند 40.1% في يوليو الماضي.

استثمار الفوائض

وفي هذا السياق، يرى الخبير المالي والاقتصادي  خالد باسردة، أن "المصارف الإماراتية لم تعد مجرد مؤسسات إقليمية تقدم خدمات ائتمان محلية، بل تحولت إلى لاعب فاعل في إدارة الأصول العالمية".
ويوضح "أن هذا التراكم للاصول الأجنبية  يعكس حيازة البنوك لفوائض سيولة تتجاوز قنوات الاستيعاب الفورية في السوق المحلية، وبدلاً من تجميدها تم توجيهها بذكاء نحو الأسواق الدولية لتعظيم الأرباح وصافي هوامش الفوائد". 
 ويشير إلى "أن هذا التحرك  الاستثماري يتزامن مع تدفقات نقدية وافدة قوية إلى داخل الدولة نتيجة لزيادة ودائع غير المقيمين وقوة الفوائض الاقتصادية، مما خلق وفرة نقدية أتاحت للمصارف الوطنية تنويع محافظها جغرافياً وإدارة المخاطر بكفاءة عالية دون إغفال متطلبات الائتمان المحلي".

إشادة دولية بالمصدات الوقائية

وتحظى هذه الديناميكية المتقدمة بإشادة واسعة من قبل المؤسسات المالية الدولية؛ حيث يشير صندوق النقد الدولي في تقييماته الهيكلية لأسواق المنطقة إلى أن بلوغ الأصول الأجنبية للبنوك الإماراتية هذه المستويات التريليونية يعكس قدرة استثنائية على إدارة فوائض السيولة الكلية وتوفير مصدات وقائية متينة لحماية الاستقرار المالي والتحوط ضد أي صدمات خارجية محتملة.
 كما تلفت الوكالات الدولية للتصنيف الائتماني مثل فيتش وموديز إلى أن استمرار استحواذ الاستثمارات الخارجية على حصة تفوق 40% من إجمالي ميزانيات البنوك يمثل ركيزة جوهرية لدعم الملاءة الائتمانية ورفد الإيرادات بتوزيعات أرباح وهوامش فوائد مستقرة ومقومة بالعملات الصعبة، مما يعزز بشكل غير مباشر نظام ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأمريكي ويقلل مخاطر تقلبات الصرف.
 من جهته، يرى معهد التمويل الدولي أن هذا التطور يعكس النضج الاستراتيجي للجهاز المصرفي الإماراتي الذي نجح في التحول إلى لاعب مالي عالمي ومدير نشط للأصول الدولية، وهو ما يرسخ مكانة الدولة كمركز مالي محوري قادر على جذب رؤوس الأموال الضخمة وإعادة توظيفها بكفاءة.

وفرة في السيولة المحلية

ولا تقتصر التداعيات الإيجابية لهذا النمو على أرباح المصارف فحسب، بل تمتد لتشمل البنية النقدية للدولة بشكل عام؛ إذ تظهر المؤشرات الموازية أن كتلة عرض النقد ن3 ارتفعت بدورها لتبلغ 3.44 تريليون درهم (936.90 مليار دولار) في نهاية يوليو، وهو ما يؤكد بحسب آراء خبراء الاقتصاد أن التغلغل المصرفي في الأسواق الخارجية لم يكن على حساب السوق المحلية التي تمتعت بسيولة وفيرة تلبي احتياجات نمو القطاعات الاقتصادية الواعدة. 
يشار إلى أن استراتيجية إدارة السيولة التي ينتهجها القطاع المصرفي الإماراتي تحت إشراف مصرف الإمارات المركزي نجحت في صياغة نموذج متوازن يجمع بين دعم ركائز التنمية المستدامة في الداخل وتعظيم المكتسبات المالية في الخارج، مما يعزز من مرونة الاقتصاد الوطني وتنافسيته عابرة الحدود على المدى الطويل.