لم يعد التأثير في الإعلام يمر عبر الرقابة المباشرة وحدها. ففي دول مختلفة، تتشكل العلاقة بين السلطة والصحافة عبر أدوات تبدأ من الوصول إلى مراكز القرار، وتمتد إلى ملكية المؤسسات والتراخيص والقوانين، وصولاً إلى المنصات الرقمية والخوارزميات التي تتحكم في ظهور الأخبار ووصولها إلى الجمهور.

وفي استعراض لأبرز التجارب الدولية، تظهر هذه الأدوات بصور مختلفة؛ ففي الولايات المتحدة يدور الخلاف حول حق الصحافي في الوصول إلى السلطة، وفي تركيا حول ملكية المؤسسات الإعلامية وتنظيمها، بينما ينتقل النقاش في الهند إلى قواعد المحتوى الرقمي، وفي بريطانيا إلى أولوية ظهور الأخبار أمام المستخدم، وفي الاتحاد الأوروبي إلى سلطة المنصات في إزالة المحتوى الصحافي.

عندما يصبح الوصول إلى البيت الأبيض موضع نزاع

بدأت أحدث حلقات المواجهة في واشنطن بإعلان الرئيس دونالد ترامب، في 18 سبتمبر (أيلول)، منع CNN وMS NOW وPolitico من دخول البيت الأبيض، متهماً المؤسسات الثلاث بنشر "أخبار كاذبة". وفي اليوم التالي، نفذ البيت الأبيض القرار، ومنع صحافيي هذه المؤسسات من الدخول، فيما قالت المؤسسات الثلاث إن بطاقاتها الصحافية صودرت، وإنها قد تطعن في القرار استناداً إلى حماية حرية الصحافة في التعديل الأول للدستور، بحسب وكالة "رويترز".  

ولم يتوقف الجدل عند القرار السياسي؛ ففي تغطية CNN في 18 سبتمبر (أيلول)، استضافت الشبكة تاي كوب، المحامي السابق في البيت الأبيض خلال إدارة ترامب الأولى، وسألته عما إذا كان للرئيس أساس قانوني لمنع CNN وMS NOW وPolitico من البيت الأبيض، فأجاب بالنفي.

وأشار كوب إلى النزاع السابق مع وكالة Associated Press، موضحاً أن محكمة الاستئناف سمحت للرئيس بمنعها من أماكن محدودة، مثل المكتب البيضاوي والطائرة الرئاسية، لكنها أبقت وصولها إلى الأماكن العامة والمؤتمرات الصحافية محمياً.

حظر مؤسسات وصفقات بالمليارات.. فصل جديد من حرب ترامب الإعلامية - موقع 24صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مواجهته مع وسائل الإعلام، بعد منع شبكتي "سي إن إن" و"MS NOW" وموقع "بوليتيكو" من دخول البيت الأبيض بأثر فوري، في وقت تتقاطع فيه المواجهة مع تحولات كبرى وصفقات بمليارات الدولارات داخل صناعة الإعلام الأمريكية.

تركيا.. التأثير يبدأ من بنية السوق

في تركيا، لا تقف العلاقة بين السلطة والإعلام عند حدود الوصول إلى المسؤولين، بل تمتد إلى ملكية المؤسسات، وتنظيم عملها، وقدرتها على الوصول إلى الجمهور.

وبحسب تقرير "معهد رويترز لدراسة الصحافة" لعام 2026، تسيطر تكتلات كبيرة ذات علاقات وثيقة بالحكومة على جزء كبير من وسائل التلفزيون والصحافة المطبوعة، بينما تعمل المؤسسات المستقلة، التقليدية والرقمية، في ظل دعم مالي وتنظيمي محدود.

ويشير التقرير إلى وضع أصول إعلامية تحت وصاية الدولة، من بينها أصول "Can Holding"، المالكة لـ"Habertürk TV" و"Bloomberg HT" و"Show TV"، قبل نقل أعمالها إلى صندوق تأمين الودائع والادخار الحكومي "TMSF".

كما يلفت إلى توسع المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون "RTÜK" في مطالبة قنوات مستقلة على YouTube ذات المتابعة الكبيرة بالحصول على تراخيص لتجنب حجب الوصول إليها.

الهند.. تنظيم المحتوى الرقمي

وفي الهند، امتد تنظيم البيئة الإعلامية إلى المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي ومسؤوليات المنصات. وعدّلت الحكومة في 10 فبراير (شباط) 2026 قواعد تكنولوجيا المعلومات، لتلزم المنصات بتمييز المحتوى المُولّد اصطناعياً، وإتاحة بيانات وصفية قابلة للتتبع، مع تشديد إجراءات التعامل مع المحتوى المخالف للقانون.

كما خُفضت مهلة إزالة المعلومات غير القانونية، بعد إخطار حكومي مسبب أو أمر قضائي، من 36 ساعة إلى 3 ساعات، بحسب وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات الهندية.

بريطانيا.. من سؤال المنع إلى سؤال الظهور

وفي بريطانيا، يأتي النقاش من زاوية مختلفة: ليس فقط ما الذي يُسمح بنشره، وإنما ما الذي يظهر للمستخدم أولاً. ففي 23 يونيو (حزيران) 2026، طرحت الحكومة البريطانية، ضمن الكتاب الأخضر للإعلام "Watch this Space"، خيارات لإلزام منصات التواصل وخدمات مشاركة الفيديو بجعل أخبار مؤسسات الخدمة العامة وناشرين موثوقين أكثر بروزاً وسهولة في الوصول إليها، بحسب وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية.

وتستند الحكومة في طرحها إلى تغير عادات استهلاك الأخبار؛ إذ أصبحت منصات التواصل المصدر الرئيسي للأخبار لدى 75% الشباب بين 16 و24 عاماً، فيما يستخدمها أكثر من نصف البالغين للحصول على الأخبار والتحديثات.

ومع اعتماد توزيع المحتوى على الخوارزميات بصورة متزايدة، يصبح ترتيب الأخبار ودرجة ظهورها أمام المستخدم طبقة جديدة من التأثير في البيئة الإعلامية.

ضغط الاتحاد الأوروبي يدفع غوغل لتعديل سياسة المحتوى - موقع 24قالت شركة غوغل التابعة لألفابت، اليوم الجمعة، إنها عدلت سياستها المتعلقة بالمحتوى غير المرغوب فيه بأوروبا، استجابة لمخاوف أثارها الاتحاد الأوروبي، كان من الممكن أن تؤدي إلى فرض غرامة عليها بموجب قوانين مكافحة الاحتكار.

الاتحاد الأوروبي.. من يملك حق إزالة الخبر؟

أما الاتحاد الأوروبي، فيتعامل مع المسألة من الطرف الآخر للمنظومة الرقمية، وفي 6 فبراير(شباط) 2026، أصدرت المفوضية الأوروبية إرشادات لتنفيذ المادة 18 من قانون حرية الإعلام الأوروبي، تضع ضمانات إجرائية للمؤسسات الإعلامية قبل إزالة محتواها الصحافي من المنصات الرقمية الكبرى؛ إذ يتعين على المنصة إخطار المؤسسة مسبقاً وبيان أسباب الإزالة، ومنحها 24 ساعة للرد قبل تنفيذ القرار، بحسب المفوضية الأوروبية.

وتضع القواعد بذلك مساراً محدداً للتعامل مع المحتوى الصحافي على المنصات الكبرى، بحيث لا تتم إزالته مباشرة في الحالات المشمولة بهذه الضمانات دون إخطار المؤسسة ومنحها فرصة للرد.

وبين واشنطن وأنقرة ونيودلهي ولندن وبروكسل، تتوزع أدوات التأثير في البيئة الإعلامية عبر طبقات مختلفة: الوصول إلى السلطة، وملكية المؤسسة، والترخيص، وقواعد المحتوى، وترتيب الأخبار، والقدرة على إزالة المحتوى.

أوروبا تفرض "بصمة" على محتوى الذكاء الاصطناعي.. قواعد تدخل حيز التنفيذ - موقع 24بدأ الاتحاد الأوروبي، اليوم الأحد، تطبيق قواعد جديدة تُلزم مستخدمي أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بالإفصاح عن بعض المحتويات التي تنتجها التقنية أو تُعدّلها، على رأسها مقاطع التزييف العميق والنصوص المولّدة آلياً بشأن قضايا تهم الجمهور.