شهدت أسواق الطاقة في الولايات المتحدة تحولاً حاداً ومفاجئاً ضرب مفاصل الاقتصاد الأمريكي بأسره، إذ تخطى متوسط سعر الديزل بالتجزئة حاجز 6.50 دولار أمريكي للغالون الواحد.
ويمثل هذا الرقم التاريخي قفزة قياسية بنسبة 75% مقارنة بالمستويات التي سجلها الوقود قبل عام واحد فقط، حين كان سعره عند 3.70 دولار أمريكي.
ولم تعد القفزة السعرية المسجلة مجرد أرقام تُعرض على شاشات البورصات السلعية، بل تحولت إلى كرة لهب سياسية واقتصادية تتدحرج بسرعة نحو البيت الأبيض، مهددة بالقضاء على الوعود الاقتصادية التي بنى عليها الرئيس دونالد ترامب ولايته الثانية.
العمود الفقري لقطاعات الخدمات اللوجستية
ولا يعد الديزل مجرد وقود لسيارات الركوب التقليدية، بل هو العمود الفقري لقطاعات الشحن والخدمات اللوجستية، والزراعة، والصناعات الثقيلة، وبالتالي فإن أي اختلال في تسعيره يترجم فوراً على شكل ارتفاعات متتالية في أسعار السلع الغذائية والخدمات الاستهلاكية.
ويأتي هذا التطور المقلق في توقيت سياسي بالغ الحساسية، متزامناً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، ما يضع الحزب الجمهوري وإدارة ترامب في مواجهة مباشرة مع غضب الناخبين من الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.
ويرجع المحللون الاقتصاديون وخبراء الطاقة الارتفاع المتسارع في سعر الديزل إلى مزيج من التوترات الجيوسياسية الدولية والقرارات الإدارية، والتي أدت في مجملها إلى خنق جانب العرض العالمي والمحلي للوقود المكرر.
ويأتي في مقدمة الأسباب التصعيد العسكري والتوتر في شرق المتوسط، والذي يشكل الصراع العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإيران العامل الأبرز فيه لاشتعال أسعار النفط الخام عالمياً، ليعود خام برنت ويستقر عند مستويات 100 دولار للبرميل، حيث أدى هذا النزاع إلى عرقلة حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الحيوي وتراجع الشحنات القادمة من المنطقة، مما قلص إمدادات اللقيم الأساسية للمصافي العالمية.
أزمة أورويا الشرقية تفاقم المشكلة
وتتزامن هذه التوترات مع حرب المسيّرات في أوروبا الشرقية، إذ أسفرت الضربات الأوكرانية المكثفة والمتواصلة بطائرات دون طيار مستهدفة منشآت التكرير والمصافي النفطية في عمق الأراضي الروسية، وآخرها مصفاة موسكو، عن شل جزء كبير من طاقة التكرير الروسية.
وكرد فعل على تضرر مصافيها ولتأمين سوقها الداخلي، فرضت موسكو حظراً على معظم صادراتها من الديزل والوقود المكرر، ما حرم السوق الأوروبية والأمريكية من حصة ضخمة من الإمدادات المعتادة.
وتتفاقم الأزمة بسبب محدودية طاقة التكرير المحلية وكلفة الفائدة، إذ تعاني المصافي الأمريكية من ضغط تشغيلي هائل يقترب من 97% من طاقتها الاستيعابية القصوى لمحاولة سد الفجوة العالمية، ومع ذلك فإن أسعار الفائدة المرتفعة زادت من كلفة الاقتراض اللازم لتمويل عمليات التخزين والصيانة الرأسمالية، ما دفع شركات التكرير والتوزيع إلى تحميل هذه التكاليف الإضافية على المستهلك النهائي عند محطات الوقود.
عندما عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم، ركزت روايته السياسية على قدرته الفائقة على ضبط الأسواق، وخفض معدلات التضخم، وإطلاق العنان لشعار "احفر يا بني، احفر" لتحقيق الهيمنة الأمريكية، إلا أن وصول الديزل إلى 6.50 دولار أصاب هذه السردية في مقتل.
استطلاعات الرأي
وتوضح استطلاعات الرأي الأخيرة الصادرة عن مؤسسات أمريكية حجم التآكل السريع في الرصيد السياسي لترامب، حيث تبرز المؤشرات تراجعاً حاداً في معدلات التأييد الشاملة؛ ففي أحدث استطلاع للرأي أجرته شبكة "إن بي سي نيوز"، هبطت نسبة الرضا عن الأداء الوظيفي لترامب إلى أدنى مستوياتها في الولاية الثانية ألى مستوى 41% ، مقابل نسبة عدم رضا 55%.
وبالمثل، أظهر استطلاع شبكة "فوكس نيوز" تراجعاً أكبر لتصل نسبة التأييد إلى 39%، بينما عبّر ثلثا الناخبين المستقلين عن اعتقادهم بأن سياسات الإدارة الحالية جعلت الاقتصاد أسوأ، ما يعكس بوضوح فقدان الثقة في الملف الاقتصادي، إذ أظهرت البيانات أن 55% من الأمريكيين يرون أن قرارات ترامب الاقتصادية، بما في ذلك التوسع في فرض التعرفات الجمركية التي يرى 64% من الناخبين أنها باتت تؤذي الاقتصاد، أضرت مباشرة بأوضاعهم المالية.
ملف إدارة تكلفة المعيشة
كما تراجعت نسبة تأييده في ملف إدارة تكلفة المعيشة إلى 27% فقط. ويمتد هذا التهديد الانتخابي ليرتسم بشكل واضح في الولايات المتأرجحة والزراعية، كون الولايات الزراعية الكبرى مثل آيوا ومين تعتمد بشكل كامل على الديزل لتشغيل الحصادات والجرارات ونقل المحاصيل، بالتزامن مع ذروة موسم الحصاد الخريفي، ما يعني أن الارتفاع الهائل للوقود يلتهم الهوامش الربحية الضيقة للمزارعين الذين يشكلون القاعدة الانتخابية الصلبة للمحافظين.
عقاب صناديق الاقتراع
وتخشى القيادات الجمهورية من أن يؤدي عقاب صناديق الاقتراع إلى خسارة الأغلبية في الكونغرس لصالح الديمقراطيين، والذين باتوا يتقدمون بـ 15 نقطة في استطلاعات الرأي كالحزب الأقدر على التعامل مع التضخم.
وعلى الرغم من محاولات البيت الأبيض الدفاع عن مرونة الاقتصاد والإشارة إلى خطط إلغاء القيود البيئية التي اتخذها مدير وكالة حماية البيئة "لي زيلدين" لحماية محطات الطاقة التقليدية وتوفير التكاليف، فإن المستهلك العادي لا يرى هذه الآثار الإيجابية طالما ظلت لوحات الأسعار في المحطات تطلب 6.50 دولار للغالون.
وفي المقابل، تنظر الأوساط المالية في "وول ستريت" وبنوك الاستثمار العالمية إلى طفرة أسعار الديزل الحالية باعتبارها ضريبة تضخمية خفية تهدد بجر الاقتصاد الأمريكي نحو الركود التضخمي.
ويرى الاحتياطي الفيدرالي أن التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية واستقر في مستويات مقلقة لفترة أطول مما ينبغي، ملوحاً باضطرار البنك إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً للسيطرة على تكلفة المعيشة، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر جمة على النمو.
ويتوافق هذا الطرح مع تحذيرات محللي أسواق السلع في "غاس بادي" الذين أشاروا إلى أن تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية ارتفعت بشكل جنوني، ما جعل كل طرد بريدي وكل رحلة تسوق أكثر كلفة، مع توقعات بانتقال الكلفة التشغيلية مباشرة لأسعار الأغذية بالمتاجر واستمرار هذا الضغط طوال فصل الخريف والشتاء.
استنزاف الدخل
ومن جانبها، رصدت مؤسسات التصنيف والتحليل مثل "تريدينغ إيكونوميكس" وصول متوسط سعر بيع الديزل الفيدرالي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة تاريخياً، مؤكدة أن ذلك سيؤدي حتماً إلى تراجع إنفاق المستهلكين على السلع غير الأساسية نتيجة استنزاف الدخل في كلف الطاقة والتدفئة.
وتؤكد التقارير الصادرة عن بنوك الاستثمار أن إدارة ترامب تجد نفسها شبه مكبلة الأيدي أمام هذه الأزمة القادمة من خلف الحدود، فنظراً لكون الديزل سلعة عالمية تخضع لآليات العرض والطلب الدولية، فإن الحلول المحلية مثل السحب من الاحتياطي الاستراتيجي أو زيادة الحفر النفطي الداخلي تحتاج لسنوات حتى تؤتي أكلها في سوق المشتقات المكررة. وفي الوقت ذاته، ترفض الإدارة مقترحات حظر تصدير الديزل للخارج خشية الإضرار بالحلفاء الدوليين وتعميق أزمة الأسواق العالمية.
الاختبار الصعب
ويقف الرئيس دونالد ترامب في منتصف ولايته الثانية أمام اختبار هو الأصعب، إذ إن القفزة السعرية للديزل من 3.70 دولار إلى 6.50 دولار كشفت عن ثغرة واضحة في السياسة الخارجية والداخلية للإدارة الحالية، فبينما يصر ترامب في خطاباته ومنشوراته على منصة "تروث سوشيال" بأن الاقتصاد يمر بعصر ذهبي، تبرهن أرقام التضخم والواقع التشغيلي للمزارعين وسائقي الشاحنات عكس ذلك تماماً، وإذا لم تنجح المساعي الدبلوماسية في تهدئة الجبهة الإيرانية أو التوصل لتهدئة تضمن إعادة فتح مضيق هرمز وتدفق النفط، فإن أسعار الوقود ستظل بمثابة المسمار الذي يهدد بخلخلة النفوذ الجمهوري في واشنطن، تاركةً ترامب في مهب ريح سياسية عاتية قبل التجديد النصفي المرتقب.