تسوّق شركات التكنولوجيا للساعات الذكية كأدوات لرصد الصحة على مدار الساعة، حيث تحوّل نبضات القلب وساعات النوم ومستويات الأكسجين والنشاط البدني إلى بيانات تمنح المستخدم إحساساً بالسيطرة على صحته.

الشركات أمضت سنوات في زيادة عدد المستشعرات داخل الأجهزة القابلة للارتداء، لكن في النهاية تبيّن أن المشكلة الحقيقية تكمن في جودة البيانات التي تنتجها المستشعرات، وليس في عددها.

لكن الطريق من نبضة يلتقطها المستشعر إلى رقم يظهر على الشاشة ليس مباشراً، إذ تعتمد الأجهزة على خوارزميات تحلل البيانات وتستنتج مؤشرات صحية قد تحمل هامشاً من الخطأ.

ففي دراسة حديثة جرى خلالها اختبار أربع ساعات من "آبل" و"غارمن" و"سامسونغ" و"فيتبيت"، تبيّن أن الأجهزة بالغت في تقدير السعرات المحترقة أثناء الرياضة بنسبة تراوحت بين 15% و25%، مقارنة بالقياسات الأيضية المعملية، مع ارتفاع نسبة الخطأ لدى الأشخاص البدناء. 

وفي اختبارات "Google Pixel Watch 3" تراوح الفرق بين تقدير الساعة والقياس المخبري المرجعي من 73 سعرة حرارية أقل إلى 56 سعرة حرارية أعلى، بينما بلغ متوسط نسبة الخطأ 15.02%.

تقديرات دقيقة.. ولكن!

وتبدو دقة الأجهزة أفضل في بعض المؤشرات، حيث لا يتجاوز انحراف قياس نبض القلب ±3%، بينما يصل الخطأ في تقييم شدة النشاط البدني إلى 80%. 

أما قياس النوم فيعتمد على تقديرات تستند إلى حركة الجسم وإشارات أخرى، وليس على قياس مباشر للنوم، لذلك قد تختلف الساعة في تقدير مدته وتحديد مراحله عن أجهزة تخطيط النوم الطبية.

حتى عدد الخطوات، وهو من أبسط المؤشرات التي تعرضها الساعات، ليس رقماً ثابتاً تماماً، فمكان ارتداء الجهاز والخوارزمية المستخدمة وطبيعة الحركة يمكن أن تؤثر في النتيجة.

من يبحث عن الدقة؟

يقول الخبير التقني سامي عبد النور لـ"24"، إن أهمية الدقة تختلف بحسب طبيعة المستخدم، فبالنسبة لمن يعتمد على الجهاز لأسباب طبية، تصبح دقة البيانات والمقاييس عاملاً أساسياً، إلى جانب إمكانية ربط الجهاز بالطبيب والخدمات الأخرى ومراجعة البيانات التاريخية وتقديم خطط متكاملة.

أما المستخدم الذي يقتني الجهاز لتحسين نمط حياته، فيولي أهمية أكبر للسعر والتصميم وكثرة المميزات وسهولة التطبيق وتجربة الاستخدام، بينما يهتم مستخدمو الأجهزة بدافع مواكبة الموضة بالترند وانتشار المنتج أكثر من دقة بياناته.

وبسؤاله عما إذا كانت دقة القراءات والقياسات يمكن أن تصبح عنصراً يراجع المستهلك على أساسه قرار الشراء، مثلما يقارن حالياً بين البطارية والكاميرا وسرعة المعالج، قال "عبد النور" إن ذلك أصبح ممكناً بالفعل، لا سيما مع تشابه الأسعار وتجربة المستخدم والتصميم والتكامل مع الهاتف بين المنافسين، ما يجعل دقة القياسات من أبرز مجالات المنافسة إلى جانب خدمة ما بعد البيع. 

وأضاف أن ارتفاع وعي المستهلك واستخدام الأجهزة لمتابعة مؤشرات مرتبطة بالصحة يزيدان أهمية اختيار جهاز يقدم بيانات دقيقة، وإن كان الوصول إلى العلامة الأكثر ثقة قد يتطلب تجربة أكثر من جهاز قبل الاستقرار على خيار محدد.

من يربح المنافسة؟

يشير الدكتور أسامة مصطفى، خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، إلى أن الشركات أمضت سنوات في زيادة عدد المستشعرات داخل الأجهزة القابلة للارتداء، لكن في النهاية تبيّن أن المشكلة الحقيقية تكمن في جودة البيانات التي تنتجها المستشعرات، وليس في عددها.

ويشدّد مصطفى في حديثه لـ"24" على أن الجهات التي ستفوز مستقبلاً هي التي ستثبت أن بياناتها قابلة للتحقق، وليس التي تضيف مستشعراً جديداً كل عام، مضيفاً: "شاومي مثلاً أنشأت مختبراً بمساحة 5000 متر مربع لتحسين الدقة، وأعلنت عن تحسين دقة حساب السعرات بنسبة 17% ودقة VO₂ max بنسبة 15%.. هذا استثمار ضخم في إثبات الدقة، وليس في إضافة مستشعرات".

وأكد الخبير التقني أن التحدي القادم لشركات التكنولوجيا هو الانتقال من "ماذا نقيس؟" إلى "إلى أي مدى نقيسه بدقة؟"، موضحاً أن المستهلك، بحسب البيانات، بدأ يدرك أن الدقة ليست ترفاً، بل قيمة يدفع مقابلها. 

وبالتالي من يثبت دقته أولاً سيكسب ثقة المستخدم، ومن يتهرب من الإثبات سيبقى في خانة "الألعاب الإلكترونية" وليس الأدوات الصحية، على حد تعبيره.