الطابع الكرنفالي الطاغي ظاهرياً على القمة الأمريكية-الصينية في واشنطن يخفي وراءه أعصاباً مشدودة ومقايضة مصالح ونفوذ وأوراق ضغط بين أكبر اقتصادين في العالم. ورشحت عن لقاء العملاقين معلومات محدودة ونتائج عملية مقتضبة، لتعكس حال من التهدئة الحذرة تستبطن خلافات جوهرية معقدة حول ملفات التجارة، الذكاء الاصطناعي وصولاً إلى قضايا جيوسياسية خلافية من تايوان إلى إيران وكوريا الشمالية.
وخلف استقبال دونالد ترامب الحافل لشي جين بينغ، ثارت جدالات واسعة حيال حجم الحفاوة ومغزاها بين الأوساط السياسية والتشريعية شبه المنقسمة في أمريكا. إذ أثار استياء عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين ممن رأوا في هذا الاحتفاء تراجعاً عن الخطاب الحازم ضد المنافس الصيني، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وعبر سيناتورات بارزون أمثال جون كينيدي وجوني إرنست وثوم تيليس عن تحفظهم تجاه ما وصفوه بـ"التملق المجاني لزعيم شيوعي"، مؤكدين أن المشهد يُعقد الرسائل الانتخابية للحزب ويؤثر على قواعده الشعبية قبيل انتخابات التجديد النصفي المقرر انعقادها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وتبرز تايوان كإحدى أبرز أوراق الضغط في العلاقة بين واشنطن وبكين، في ظل استمرار تعليق صفقة أسلحة أمريكية للجزيرة بقرابة 14 مليار دولار. وقال ترامب، بعد لقائه شي في بكين في مايو (أيار)، إنه أبقى الصفقة معلّقة رغم ضغوط المشرعين الأمريكيين، ووصفها بأنها "ورقة تفاوض جيدة جداً"، بحسب رويترز.
وتتجاوز أهمية الملف البعد العسكري إلى الاقتصاد والتكنولوجيا، إذ تستحوذ تايوان على أكثر من 90% من القدرة الإنتاجية العالمية لأشباه الموصلات المتقدمة، ذات العقد التقنية الأصغر من 10 نانومترات، وفق تقرير مشترك لمجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) وجمعية صناعة أشباه الموصلات الأمريكية (SIA)، ما يجعل أي اضطراب حول الجزيرة ذا تداعيات محتملة على سلاسل إمداد التكنولوجيا والصناعة العالمية.
الملف الإيراني
ولا تقتصر أوراق الضغط بين واشنطن وبكين على تايوان، بل تمتد إلى الملف الإيراني وتداعيات الحرب الأخيرة في المنطقة. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" في 11 سبتمبر (أيلول)، حصلت إيران على صور أقمار اصطناعية عالية الدقة من جهات صينية قبل هجوم استهدف قاعدة موفق السلطي في الأردن في يوليو (تموز)، وأسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين.
وأفادت "سي إن إن"، نقلاً عن مصادر مطلعة على تقييمات استخباراتية أمريكية، بأن بيانات جغرافية صينية ساعدت إيران أيضاً في استهداف مواقع أمريكية وتتبع سفن في مضيق هرمز. ويضيف هذا الملف بُعداً آخر لحسابات واشنطن تجاه بكين، في وقت تتداخل فيه المنافسة بين البلدين مع أزمات وصراعات تمتد خارج نطاق التجارة والتكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي
من تايوان وإيران إلى التكنولوجيا الحديثة، حيث انتقل التنافس الأمريكي-الصيني إلى الذكاء الاصطناعي، أحد أبرز ساحات الصراع بين البلدين. وبينما يسعى الجانبان للسيطرة على مجريات هذا السباق، أكد شي قدرة البلدين على إبقاء الذكاء الاصطناعي تحت "السيطرة البشرية" ولخدمة رفاهية الشعوب، في حين أبدى ترامب رغبته في ترك المساحة للمنافسة الاقتصادية والتكنولوجية.
وتوضح المحللة والخبيرة الصينية ليا تشاو لـ24 أن الذكاء الاصطناعي شكّل أحد أبرز محاور القمة، مشيرة إلى أن من بين النتائج المثمرة "الدفع باتجاه تعزيز التعاون بين الجانبين لمواجهة المخاطر المحتملة للهجمات السيبرانية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي".
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، اقترح قبل القمة، إنشاء آلية لإخطار الجانبين بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي ترتقي إلى مستوى مخاطر الأمن القومي، في إطار حوار ثنائي حول سلامة التكنولوجيا، بحسب البيت الأبيض.
ملف الزراعة
وعلى صعيد التنافس الاقتصادي، انتقلت القمة من إدارة الخلافات السياسية إلى ملفات أكثر ارتباطاً بالتجارة وسلاسل الإمداد. واتفق الجانبان على تمديد الهدنة التجارية لمدة شهرين، حتى 10 يناير (كانون الثاني) 2027، بما يتيح وقتاً إضافياً للتفاوض على اتفاق أوسع، بعدما كانت الرسوم الجمركية المتبادلة قد دفعت العلاقات التجارية إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر.
وتبرز الزراعة كأحد الملفات التي يمكن أن توفر متنفساً للتهدئة التجارية، إذ بلغت قيمة صادرات المنتجات الزراعية الأمريكية إلى الصين قرابة 29 مليار دولار في 2024، وفق رويترز.
وكانت الصين تعهدت، ضمن تفاهمات أُعلن عنها في 2025، بشراء 25 مليون طن من فول الصويا الأمريكي سنوياً حتى 2028، فيما وافقت في مايو (أيار) 2026 على شراء 17 مليار دولار سنوياً من المنتجات الزراعية الأمريكية الأخرى. وبحسب رويترز، كانت الصين تفي بالتزامها الخاص بفول الصويا، لكنها متأخرة عن الالتزام الآخر.
وتوضح ليا تشاو لـ24 أن خفض الرسوم وتمديد الهدنة يمثلان تقدماً في إدارة الخلاف التجاري، لكنهما لا يعنيان معالجة جذور النزاع، مشيرة إلى استمرار الخلافات حول التكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

التكنولوجيا والمعادن النادرة
وتنتقل التفاهمات إلى سلاسل توريد المعادن النادرة إحدى أهم أدوات النفوذ الاقتصادي في العلاقة بين واشنطن وبكين. وتلفت تشاو إلى أن هذه المعادن، المرتبطة بصناعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، "ورقة مهمة في يد الصين خلال التفاوض بشأن تايوان".
وتكتسب هذه الورقة وزنها من هيمنة الصين على مراحل رئيسية من سلسلة إنتاج المعادن النادرة، إذ تسيطر على قرابة 70% من التعدين العالمي وأكثر من 85% من قدرات التكرير والإنتاج، وفق بيانات أوردتها رويترز. وتدخل هذه المعادن في تصنيع المغناطيسات المستخدمة في قطاعات السيارات والطيران والدفاع والإلكترونيات، ما يجعل أي قيود على تدفقها قابلة للانتقال سريعاً من ساحة التجارة إلى تكاليف الإنتاج وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي مؤشر على حساسية هذه السلسلة، ناقش مسؤولون أمريكيون ويابانيون وشركات من البلدين قبل القمة اختناقات إمدادات الإيتريوم، وهو أحد العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعات الطيران وتصنيع أشباه الموصلات، بحسب موقع "جابان تايمز".

وترتبط حساسية هذه الإمدادات أيضاً بالمكانة المحورية لتايوان في صناعة الرقائق، إذ تستضيف شركة TSMC، أكبر شركة لتصنيع الرقائق تعاقدياً في العالم والمنتج الرئيسي للرقائق المتقدمة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويضع ذلك المعادن النادرة والرقائق ضمن الحسابات الأوسع حول مرونة سلاسل الإمداد التكنولوجية بين واشنطن وبكين.
وتختتم تشاو تقييمها للقمة بالإشارة إلى أن "الرسوم الجمركية والحواجز التجارية، إلى جانب القيود الأمريكية على وصول الصين إلى الشرائح المتقدمة، لا تزال تعرقل مسار التجارة بين البلدين"، رغم استمرار البحث عن مجالات للتعاون بين أكبر اقتصادين في العالم.