يدخل المغرب منعطفاً سياسياً واقتصادياً جديداً عقب إعلان نتائج انتخابات 23 سبتمبر (أيلول)، التي تصدّرها حزب الأصالة والمعاصرة، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية ومالية متراكمة، إلى جانب تداعيات مناخ جيوسياسي مضطرب.

ويُقبل حزب "التراكتور" على اختبار يتجاوز حسابات تشكيل الحكومة إلى ترجمة وعوده الانتخابية الاقتصادية لنتائج ملموسة، وسط تفاقم البطالة بين الشباب، وضغوط على القدرة الشرائية، وقفزات في أسعار المحروقات، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز دور القطاع الخاص في دعم النمو وخلق فرص العمل.

وحصد حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعداً من أصل 395، متفوقاً على التجمع الوطني للأحرار الذي نال 66 مقعداً، وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 38.02%، بحسب وزارة الداخلية المغربية.

ورغم أن النتيجة لا تمنح الحزب أغلبية منفردة، فإنها تضع برنامجه الاقتصادي الذي تقدر كلفته الإضافية بنحو 350 مليار درهم مغربي بين 2027 و2031 (نحو 36.5 مليار دولار)، تحت اختبار التنفيذ، خصوصاً في ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العامة والأمن المائي والطاقي، وفق البرنامج الانتخابي الرسمي للحزب.

وفي هذا السياق، قال الإعلامي المغربي في موقع "هسبريس"، بدر الدين عتيقي لـ24: "بالنظر إلى النتائج المسجلة، فهي تفرز نفس الحكومة السابقة مع تبادل الكراسي فقط، إذ سيصبح حزب الأصالة حاكماً بدلاً من التجمع الوطني للأحرار".

وشدد عتيقي على أن الملفات الاقتصادية التي ستواجه "حكومة المونديال" لن تتغير، بل ستكون امتداداً لنفس مكونات الحكومة السابقة التي تشكلت من 3 أحزاب هي الاستقلال، التجمع الوطني، والأصالة والمعاصرة، ما يعطي إشارة إيجابية لجميع الفاعلين الاقتصاديين في الأسواق المحلية والعالمية، ورسالة طمأنة باستمرار نفس التوجه أو السياسات التي كانت خلال الولاية الانتدابية السابقة.

اقتصاد متنوع.. والوظائف التحدي الأكبر

تأتي المرحلة الجديدة في وقت يتمتع فيه المغرب بقاعدة اقتصادية متنوعة نسبياً، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 1.72 تريليون درهم مغربي في 2025 (نحو 179.3 مليار دولار)، فيما سجل الاقتصاد نمواً بنسبة 4.9%، مقابل 4.4% في العام السابق، بدعم من ارتفاع النشاط الزراعي 8.2% وزيادة الأنشطة غير الزراعية 3.9%، بحسب المندوبية السامية للتخطيط والبنك الدولي.

وتتوقع المندوبية السامية للتخطيط استمرار النمو عند 4.8% خلال 2026، قبل تباطئه إلى نحو 3% في 2027 مع افتراض عودة الإنتاج الزراعي إلى مستويات متوسطة.

ورغم هذا النمو، تبقى سوق العمل إحدى أبرز نقاط الضغط. ويضع حزب الأصالة والمعاصرة التشغيل في قلب برنامجه، متعهداً بخلق مليون وظيفة صافية بين 2027 و2031، بمتوسط 200 ألف وظيفة سنوياً، وخفض البطالة إلى 7% بحلول 2031.

ويبدي المحلل المغربي عزيزي سعيدي، لـ24، تحفظاً على الأرقام الانتخابية، مشيراً إلى أن "التعهدات لا تقيد إلا من يثق فيها"، ومذكراً بأن الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش تعهدت بخلق مليوني فرصة عمل من دون تحقيق الهدف.

ويؤكد صندوق النقد الدولي أن خلق الوظائف المستدامة يتطلب قطاعاً خاصاً أكثر ديناميكية، وإصلاح سوق العمل وتعزيز المنافسة وتحسين البيئة المواتية للشركات الصغيرة والمتوسطة.

القدرة الشرائية والخدمات

يخصص برنامج الأصالة والمعاصرة 150 مليار درهم مغربي (15.6 مليار دولار) لإجراءات مرتبطة بالقدرة الشرائية، تشمل تخفيف ضريبة الدخل ورفع المعاشات والدعم الاجتماعي، إلى جانب دعم رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5 آلاف درهم مغربي (نحو 521 دولاراً).

وفي هذا السياق، يقول الإعلامي بدر الدين عتيقي، لـ24، إن "الوعود التي طُرحت خلال الحملة الانتخابية، خصوصاً من قبل حزب الأصالة والمعاصرة، ركزت على الحد الأدنى للأجور وإصلاح الضريبة على الدخل، باعتبارهما من الأدوات الهادفة إلى حماية القدرة الشرائية، لا سيما بعد تصريح مرشح الحزب فوزي لقجع بشأن ضياع نحو 280 مليار درهم مغربي (29.2 مليار دولار) على مدى 5 سنوات".

ويضيف عتيقي أن "الرهان المقبل للحكومة سيتمحور حول نقطتين أساسيتين، هما حماية القدرة الشرائية ومعالجة البطالة". 

أما عزيز سعيدي، يرى أن "الأولوية المطلقة" يجب أن تذهب إلى الصحة والخدمات الاجتماعية والقدرة الشرائية، في ظل الضغوط التي تواجه الأسر.

المياه والطاقة والتمويل

يضع الحزب الأمن المائي والطاقي ضمن أولوياته، مع خطط لإنشاء 400 منشأة مائية و6 محطات إضافية لتحلية مياه البحر، ورفع حصة الطاقات المتجددة في الاستهلاك الكهربائي من 46% إلى 52%، إلى جانب توفير مخزون من المحروقات يغطي 3 أشهر من الاستهلاك.

ويرى سعيدي أن جانباً أساسياً من التحديات التي تواجه المغرب يأتي من الخارج، بالنظر إلى اعتماده على واردات الطاقة، رغم التوسع الجاري في مشاريع الطاقة المستدامة.

كما يشدد صندوق النقد الدولي على أن شح المياه وتعزيز قدرة الزراعة على مواجهة الصدمات المناخية يمثلان من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المغربي.

ويربط حزب الأصالة والمعاصرة تنفيذ برنامجه بتحقيق متوسط نمو يبلغ 5% سنوياً بين 2027 و2031، مع إبقاء التضخم قرب 2% والعجز المالي في حدود 3% من الناتج المحلي، بحسب البرنامج الانتخابي الرسمي.

وتبلغ الكلفة الإضافية للبرنامج نحو 350 مليار درهم مغربي (36.5 مليار دولار) على مدى 5 سنوات، ويقول الحزب إنه يعتزم تمويل الجزء الأكبر منها من الإيرادات الإضافية التي يتوقع أن يولدها تسارع النمو، إلى جانب مساهمات الجماعات الترابية وإعادة تخصيص جزء من النفقات.

في المقابل، يقول عتيقي لـ24، إن "البرنامج الاقتصادي لحزب الأصالة والمعاصرة سيحمّل ميزانية الدولة نحو 30 مليار درهم مغربي (نحو 3.13 مليارات دولار) سنوياً"، مشيراً إلى أن رفع الحد الأدنى للأجور بدوره سيتطلب أعباء مالية مهمة، في وقت تواجه فيه الحكومة المقبلة التزامات واسعة مرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، وما يصاحبها من مشاريع بنية تحتية كبرى تحتاج إلى تمويلات إضافية.

ويرى عتيقي أن "التحدي الرئيسي أمام الحكومة الجديدة سيكون توفير مصادر تمويل تتجاوز الاقتراض المحلي والدولي"، لافتاً إلى أن الحكومة السابقة بدأت بالفعل اللجوء إلى آليات تمويل مبتكرة، لكنها لم تكن كافية لتغطية عدد من المشاريع الكبرى القائمة.